على أن لا يلتفتوا إلى القرآن أمر الله تعالى رسوله بأن يتكلم بهذه الأحرف في الابتداء حتى يتعجبوا عند سماعها فيسكتوا فحينئذٍ يهجم القرآن على أسماعهم سلمنا أنها موضوعة لأمر ما فلم لا يجوز أن يقال إنها من أسماء المعاني قوله ( إنها في اللغة غير موضوعه لشيء البتة ) قلنا لا نزاع في أنها وحدها غير موضوعة لشيء ولكن لم لا يجوز أن يقال إنها مع القرينة المخضوضة تفيد معنى معينًا وبيانه من وجوه أحدها أنه عليه السلام كان يتحداهم بالقرآن مرة بعد أخرى فلما ذكر هذه الحروف دلت قرينة الحال على أن مراده تعالى من ذكرها أن يقول لهم إن هذا القرآن إنما تركب من هذه الحروف التي أنتم قادرون عليها فلو كان هذا من فعل البشر لوجب أن تقدروا على الإتيان بمثله وثانيها أن حمل هذه الحروف على حساب الجمل عادة معلومة عند الناس وثالثها أن هذه الحروف لما كانت أصول الكلام كانت شريفة عزيزة فالله تعالى أقسم بها كما أقسم بسائر الأشياء ورابعها أن الاكتفاء من الاسم الواحد بحرف واحد من حروفه عادة معلومة عند العرب فذكر الله تعالى هذه الحروف تنبيهًا على أسمائه تعالى
سلمنا دليلكم لكنه معارض بوجوه أحدها أنا وجدنا السور الكثيرة اتفقت في الم و حم فالاشتباه حاصل فيها والمقصود من اسم العلم إزالة الاشتباه
فإن قيل يشكل هذا بجماعة كثيرين يسمون بمحمد فإن الاشتراك فيه لا ينافي العلمية قلنا قولنا الم لا يفيد معنى ألبتة فلو جعلناه علمًا لم يكن فيه فائدة سوى التعيين وإزالة الاشتباه فإذا لم يحصل هذا الغرض امتنع جعله علمًا بخلاف التسمية بمحمد فإن في التسمية به مقاصد أخرى سوى التعيين وهو التبرك به لكونه إسمًا للرسول ولكونه دالًا على صفة من صفات الشرف فجاز أن يقصد التسمية به لغرض آخر من هذه الأغراض سوى التعيين بخلاف قولنا الم فإنه لا فائدة فيه سوى التعيين فإذا لم يفد هذه الفائدة كانت التسمية به عبثًا محضًا وثانيها لو كانت هذه الألفاظ أسماء للسور لوجب أن يعلم ذلك بالنواثر لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب والأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نفلها لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلومًا بالتواتر وارتفع الخلاف فيه فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور وثالثها أن القرآن نزل بلسان العرب وهم ما تجاوزوا ما سموا به مجموع اسمين نحو معد يكرب وبعلبك ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغة العرب وأنه غير جائز ورابعها أنها لو كانت أسماء هذه السور لوجب اشتهار هذه السور بها لا بسائر الأسماء لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء كقولهم سورة البقرة وسورة آل عمران وخامسها هذه الألفاظ داخلة في السورة وجزء منها وجزء الشيء مقدم على الشيء بالرتبة واسم الشيء متأخر عن الشيء بالرتبة فلو جعلناها اسمًا للسورة لزم التقدم والتأخر معًا وهو محال فإن قيل مجموع قولنا ( صاد ) اسم للحرف الأول منه فإذا جاز أن يكون المركب اسمًا لبعض مفرداته فلم لا يجوز أن تكون بعض مفردات ذلك المركب اسمًا لذلك المركب قلنا الفرق ظاهر لأن المركب يتأخر عن المفرد والاسم يتأخر عن المسمى فلو جعلنا المركب اسمًا للمفرد لم يلزم إلا تأخر ذلك المركب عن ذلك المفرد من وجهين وذلك غير مستحيل أما لو جعلنا المفرد اسمًا للمركب لزم من حيث أنه مفرد كونه متقدمًا ومن حيث أنه اسم كونه متأخرًا وذلك محال وسادسها لو كان كذلك لوجب أن لا تخلو سورة من سور القرآن من اسم على هذا الوجه ومعلوم أنه غير حاصل