احتج الأخفش أيضًا بشواهد كثيرة مذكورة في كتب النحويين [1] ؛ منها: قول العرب: (ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة) ، فعطف (بيضاء) على (سوداء) المجرور بـ (كل) . و (شحمة) منصوب بالعطف على (تمرة) المنصوب بـ (ما) .
وسيبويه والجمهور يردون على ذلك بإضمار الجار قبل هذه الشواهد [2] ؛ فكلمة (كل) مضمرة محذوفة قبل (بيضاء) [3] عند سيبويه في الشاهد السابق [4] .
وحكى ابن مالك أنه إذا فُقد الشرط الأول، وهو أن يكون أحد العاملين جارّا، نحو: (جاء زيد يضرب عمرًا، وخالد بكرًا) بعطف (خالد) على (زيد) ، و (بكرًا) على (عمرًا) ، فإنه لا يجوز ذلك بإجماع [5] .
واعترضه الشيخ خالد. فقال:"وشوحح في دعوى الإجماع بأن الفارسي نقل في بعض كتبه أن قومًا من النحويين أجازوه" [6] .
وقد سبقه أبو حيان إلى هذا الاعتراض [7] ، ومما يعضد نقل ابن مالك الإجماع في هذه المسألة ما ذكره بهاء الدين ابن النحاس، فيقول:
"هذا المذهب الذي ذكره ابن الحاجب من جواز العطف على عاملين مطلقًا- سواء تقدم المجرور في المعطوف به أو تأخره- مذهب لم أر أحدًا حكاه غيره مع جهدي في الكشف عن هذا المذهب غاية الاجتهاد" [8] .
(1) انظرها في: التعليقة 2/ 757 - 759.
(2) الكتاب 1/ 66، والأصول 2/ 74، والبسيط 1/ 355.
(3) الكتاب 1/ 66.
(4) وفي المسألة مذاهب أخرى، منها:
1 -القول بالجواز مطلقًا في المجرور وغيره، وحكاه ابن الحاجب عن الفراء، ونسب أيضًًا إلى الأخفش. 2 - مذهب الأعلم الشنتمري أنه يجوز بشرط أن يتقدم المجرور في المتعاطفين. 3 - مذهب ابن الطراوة أنه يجوز في غير اللفظية وفي اللفظية الزائدة لأنه عارض. 4 - مذهب ابن طلحة أنه يجوز في غير العوامل اللفظية.
(أنظر: تحصيل عين الذهب 1/ 43 - 44، وشرح الرضى 2/ 347، والارتشاف 4/ 2015، والهمع 3/ 190، وشرح الأشموني 3/ 123) .
(5) شرح التسهيل 3/ 378.
(6) النبيل 2/ 161.
(7) انظر: الارتشاف 4/ 2014.
(8) التعليقة لابن النحاس 2/ 763، وكذلك قال شيخه ابن عمرون، انظر: تمهيد القواعد 7/ 3504.