الصفحة 99 من 166

كتاب (الموافقات) هو الكتاب الذي إذا قرأه المرء لا يملّ منه، وصاحبه في الحقيقة -في (الاعتصام) وهنا- من أبعد الناس عن الحواشي، هناك كتب فقه تستطيع أن تتجاوز فيها أحيانًا ثلاثة أو أربعة سطور، بخلاف الشاطبي؛ كل جملةٍ فيها علم ومنفعة وفائدة!

فعقّب بـ {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} كأنه يقول: أن سؤالكم هو إتيانٌ للبيوت من ظهورها.

قال:"فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ فِي التَّمْثِيلِ إِتْيَانٌ لِلْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا؛ وَالْبِرُّ إنما هُوَ التَّقْوَى، لَا الْعِلْمُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُفِيدُ نَفْعًا فِي التَّكْلِيفِ، وَلَا تجرُّ إِلَيْهِ."

وَقَالَ تعالى -بَعْدَ سُؤَالِهِمْ عَنِ السَّاعَةِ {أيان مُرْساها} : {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43] ؛ أي: إِنَّ السُّؤَالَ عَنْ هَذَا سُؤَالٌ عَمَّا لَا يَعْنِي؛ إِذْ يَكْفِي مِنْ عِلْمِهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا""

"وَلِذَلِكَ لَمَّا سُئل -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عَنِ السَّاعَةِ؛ قَالَ لِلسَّائِلِ:"مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟"؛ إِعْرَاضًا عَنْ صَرِيحِ سُؤَالِهِ إلى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِمَّا فِيهِ فَائِدَةٌ، وَلَمْ يُجبه عَمَّا سَأَلَ. وَقَالَ تعالى: {يَا أيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 101] ، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ سَأَلَ: مَنْ أَبِي؟"

فلماذا تسأل عما لا يفيدك؟ إنما يكفيك أن تعلم أنها آتية، وبالفعل لو علم الناس متى تأتي لأفسدتهم.

"رُوِيَ أَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- (قَامَ يَوْمًا يُعْرَفُ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ؛ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. فَنَزَلَتْ. ("

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي سُؤَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ صِفَاتِ الْبَقَرَةِ:"لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا لَأَجْزَأَتْهُمْ، وَلَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ"؛ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ سُؤَالَهُمْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ.""

وهذا تعليم وتأديب لنا ألا نتعلم إلا ما فيه فائدة. وكان الشافعي -عليه رحمة الله- يكره للرجل ألا يكون فقيهًا، ويرى أن أعظم ما ينبغي أن يتعلمه أهل الإسلام علمان:

-الأول: علم الفقه والدين، علم الشريعة والحديث وعلم التوحيد وعلم الفقه والأحكام الشرعية.

-والعلم الثاني: هو علم الطب، وكان بصيرًا به -عليه رحمة الله- وكان له أقوالٌ فيه. ويرى أن بقية العلوم الأخرى علومٌ فاسدة لا فائدة فيها ومضيعة للوقت.

والحق أن قوله فيه نوع إصابة، وأن علم الدين هو علم للأرواح، وعلم الطب هو علم للأبدان، وهذا ما يحتاجه المرء. فهذه العلوم الواجبة التي ينبغي ألا يضيعها أهل الإسلام، وبقية العلم إنما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت