الصفحة 100 من 166

هي من أجل الكسب، من أجل الرزق وغيره، فيتعلم المرء صنعةً أو حرفةً من أجل أن يتكسّب ومن أجل ألا يكون عُرضةً للسؤال.

"وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَجْرِي الْكَلَامُ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا عِنْدَ مَنْ رَوَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ سَأَلَ: أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لِلْأَبَدِ، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: فَذَرُونِي الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا سُؤَالُهُمْ هُنَا زِيَادَةٌ لَا فَائِدَةَ عَمَلٍ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ سَكَتُوا لَمْ يَقِفُوا عَنْ عَمَلٍ، فَصَارَ السُّؤَالُ لَا فَائِدَةَ فِيه."

وَمِنْ هُنَا نَهَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يُفِيدُ، وَقَدْ سَأَلَهُ جِبْرِيلُ عَنِ السَّاعَةِ؛ فَقَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؛ فَأَخْبَرَهُ أَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ، وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ، وَلَمَّا كَانَ يَنْبَنِي عَلَى ظُهُورِ أَمَارَاتِهَا الْحَذَرُ مِنْهَا وَمِنَ الْوُقُوعِ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَمَارَاتِهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ عِنْدَهَا؛ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ""

يريد أن يبين ما فائدة الإخبار عن أمارات الساعة، لأنها تحذّره وتجعله مقبلًا على الطاعة والتوبة.

"ثُمَّ خَتَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِتَعْرِيفِهِ عُمَرَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُمْ لِيُعَلِّمَهُمْ دِينَهُمْ، فَصَحَّ إِذًا أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ دِينِهِمْ فِي فَصْلِ السُّؤَالِ عَنِ السَّاعَةِ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَجِبُ الْعِلْمُ بِه"

يقول: عليك أن تعلم أنه من الدين -لأن الحديث في آخره يقول: (أتاكم ليعلمكم دينكم) -، فقال: من الدين ألا تسأل عما لا فائدة منه. طبعًا الآن الناس لا يقفون عند هذا الأمر، ولو خوطب به المتكلمون أو الآرائيون أو خوطب به الزنادقة لقالوا: هذا حجرٌ على العقول! لكن لما خاضوا في هذه العلوم الكثيرة العقلية؛ بماذا رجعوا سوى الحسرة والندامة؟ أرجَعوا البصر مرةً ومرة، فعاد بصرهم خاسئًا حسيرًا عليهم.

ولذلك حذّر أهلُ الإسلام من الخوض فيما لا فائدة فيه؛ لأنه إن لم يعُد بضلالٍ فإنه يعود بلا شيء، ويكفيه حسرةً أنه أضاع وقته فيما لا فائدة فيه.

يقول:"فَصَحَّ إِذًا أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ دِينِهِمْ فِي فَصْلِ السُّؤَالِ عَنِ السَّاعَةِ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَجِبُ الْعِلْمُ بِه -أَعْنِي عِلْمَ زَمَانِ إِتْيَانِهَا-؛ فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ وَفَائِدَةِ سُؤَالِهِ لَهُ عَنْهَا. وَقَالَ: (إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) "

طبعًا هذا الحديث انتهى وقته، فأيّ مسألةٍ يريد المرء أن يتعلمها فعليه أن يسأل عنها، ويعلم ما فيها من الحلال والحرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت