"وَهُوَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُحَرَّمْ؛ فَمَا فَائِدَةُ السُّؤَالِ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَمَلِ؟ وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عَبَسَ:31] وَقَال: هَذِهِ الْفَاكِهَةُ؛ فَمَا الْأَبُّ؟"
فعمر -رضي الله عنه- لا يسأل هل هي من الشجر أو من الحجر أو من الحيوان؛ إنما يسأل عن كيفيتها وماهيتها لأن سياق الآية يتحدث عن الزرع، ولكن يسأل"ما الأب؟"أي شيء هو؟ هل هو شجر صغير أم كبير؟ هل له نبت؟ هل له ثمر؟
"ثُمَّ قَالَ: نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ."
كانوا أعلم الناس، وحصروا علمهم في علم الشريعة، وبالرغم من قلة الوسائل وقلة الوسائط؛ قدّموا لأنفسهم وللأمة الخير العظيم، لأنهم انشغلوا بما فيه فائدة لهم في دينهم ودنياهم، ولذلك يا حسرة من ضيّع عمره في تعلم ما لا فائدة منه! والحسرة فيمن بذل عمره في تعلم علوم المعاصي كالموسيقى، وهذه العلوم يا إخوتي تغُر؛ فهذه علومٌ ليس لها نهايات، وهي تفتن، لأنها خوضٌ في المطلقات، وخوضٌ في أمور بعيدة، فلا ينتهي الأمر فيها، وتغرّك بظاهرها، لكن لو رجعت فيها، ماذا قدمت؟ لا شيء!
"وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيم: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الْإِسْرَاءِ: 85] ، وَهَذَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ يُفِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَابُوا، وَأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي التَّكْلِيفِ."
مع أن القرآن الكريم قد قطع النفوس ونوازعها إلى معرفة الروح، ولكن ارجع إلى كتب المتكلمين في البحث في ماهية الروح، فلم يتأدبوا بأدب القرآن في هذا الباب.
"وَرُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَلُّوا مَلَّةً .."
وهكذا النفوس تريد المُلَح، وتريد التّرفيه.
"فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} الْآيَةَ [الزُّمَرِ:23] ."
فلعلهم يريدون حوادث الأمم السابقة كعاد وثمود، كما هو شأن القُصّاص فيما لا فائدة منه، ومن أجل الترويح، والمرء إذا تقيّد بهذا الأدب جنى خيرًا عظيمًا -وهو عدم تضييع الأوقات فيما لا فائدة فيه وفي العلوم التي لا فائدة لها-؛ ولكن النفس عجيبة! ملّوا ملةً، أرادوا شيئًا آخر، فأرجعهم إلى القرآن!
ومن غرائب النفس أنها تقول لك: القرآن قد علمته وقرأته، ماذا ستجد فيه؟ فلْأذهب لغيره، لعلي أخرج بأشياء جديدة، ولو نظر إلى ما قاله الأئمة؛ فإن ابن تيمية -وغيره من الأئمة- ندموا في آخر عمرهم على تضييع أوقاتهم في غير القرآن، وقال:"لقد فتح اللهُ عليّ من الأمور ما بذل من أجل تحصيلها الأوائل فلم يصِلوها"، يقول عن نفسه -وهذا من التحدث بنعمة الله-؛ لأنه في آخر