عمره كان فقط يقرأ القرآن، يقول أنه فتح الله عليه من العلوم والمعارف في القرآن، وأخذ منه ما كان الأوائل يشتاقون له، ويرغبون فيه، وهكذا نعمة الله -عز وجل- ورحمته ليست منقطعة.
"وَهُوَ كَالنَّصِّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِيمَا سَأَلُوا، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي السُّؤَالُ إِلَّا فِيمَا يُفِيدُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ، (ثُمَّ مَلُّوا مَلَّةً فَقَالُوا: حَدِّثْنَا حَدِيثًا فَوْقَ الْحَدِيثِ وَدُونَ الْقُرْآنِ؛ فَنَزَلَتْ سُورَةُ يُوسُفَ) . انْظُرِ الْحَدِيثَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ لِأَبِي عُبَيْدٍ."
وهو كتابٌ مطبوعٌ موجود.
"وَتَأَمَّلْ خَبَرَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ صَبِيغٍ فِي سُؤَالِهِ النَّاسَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، وَتَأْدِيبَ عُمَر- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَهُ."
فهو سأل في أشياء من المتشابه فأدبه.
وَقَدْ سَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} [الذَّارِيَاتِ:1 - 2] إِلَخْ؛ فَقَالَ لَهُ عَلِيّ":وَيْلَكَ سَلْ تَفَقُّهًا وَلَا تَسْأَلْ تَعَنُّتًا"، ثُمَّ أَجَابَهُ"."
ولذلك يروي أبو عبد الرحمن السُلَمي أن علي بن أبي طالب دخل على رجلٍ من القُصّاص يُحدّث بأحاديث، فقال له: هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ أتعرف متى نزل القرآن؟ فلم يدرِ شيئًا، فقال: ما اسمك؟ قال أبو فلان، قال: لا، أنت أبو اعرفوني! -وهذه كثيرة اليوم، لا يريد شيئًا سوى أن يُعرف.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ: أَفَرَأَيْتَ السَّوَادَ الَّذِي فِي الْقَمَرِ؟ فَقَالَ:"أَعْمَى سَأَلَ عَنْ عَمْيَاءَ"، ثُمَّ أَجَابَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، وَفِي الْحَدِيثِ طُولٌ.
وَقَدْ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَكْرَهُ الْكَلَامَ فِيمَا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ، وَيَحْكِي كَرَاهِيَّتَهُ عَمَّنْ تَقَدَّمَ.
وَبَيَانُ عَدَمِ الِاسْتِحْسَانِ فِيهِ مِنْ أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْهَا: أَنَّهُ شُغْلٌ عَمَّا يَعْنِي مِنْ أَمْرِ التَّكْلِيفِ الَّذِي طُوِّقَهُ الْمُكَلَّفُ بِمَا لَا يَعْنِي؛ إِذْ لَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ فَائِدَةٌ؛ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّهُ يُسْأَلُ عَمَّا أُمِرَ بِهِ أَوْ نُهِيَ عَنْهُ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ عِلْمَهُ بِمَا عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَزِيدُهُ فِي تَدْبِيرِ رِزْقِهِ وَلَا يَنْقُصُهُ، وَأَمَّا اللَّذَّةُ الْحَاصِلَةُ عَنْهُ فِي الْحَال؛ فَلَا تَفِي مَشَقَّةَ اكْتِسَابِهَا وَتَعَبَ طَلَبِهَا بِلَذَّةِ حُصُولِهَا""
نعم؛ الإنسان يتمتع ويجد لذة، ولكنها لذةٌ لا تعادل المشقة التي بذل من أجلها، هذا واحد. الشيء الثاني، يقول:
"وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَاءَ بِبَيَانِ مَا تَصْلُحُ بِهِ أَحْوَالُ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ وَأَكْمَلِهَا، فَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ فِي التَّجْرِبَةِ الْعَادِيَّةِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعُلُومِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا ثَمَرَةٌ تَكْلِيفِيَّةٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْفِتْنَةُ وَالْخُرُوجُ عَنِ"