أن يذهب فيُفسّر القرآن بأي طريقةٍ -ومنها هذه الطرق- إلا إذا وافقت اللغة، إذن الضابط لذلك كله هو احتمال وجود المعنى في داخل اللفظ عند العرب.
فبقوله:"فإن كثيرًا مِنَ النَّاسِ يَأْخُذُونَ أَدِلَّةَ القرآن بِحَسَبِ مَا يُعْطِيهِ الْعَقْلُ فِيهَا"؛ هو يقرر قواعدَ عقليةً ويحمل هذه المعاني على القرآن، احتملها هذا المعنى؟ احتملها وأُخذت به.
"لَا بِحَسَبِ مَا يُفهم مِنْ طَرِيقِ الْوَضْعِ، وَفِي ذَلِكَ فَسَادٌ كَبِيرٌ وَخُرُوجٌ عَنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ، وَهَذِهِ مسألة مُبَيَّنَةٌ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ."
سيأتي لهذا عندما يتكلم على أن هذا القرآن وهذه السنة موضوعة لخطاب الأُميّ، هذه هي قاعدة الشاطبي، ولو قرأناها ربما يقنعنا، فهو يقول أن القرآن والسنة المقصود بهما في الخطاب هو الأمي، ففهم الأمي لها هو الفهم المطلوب، والزيادة عن ذلك ليس مطلوبًا، وقد يكون هذا خطأ، لكنه الذي يريد أن يقوله.
المقدمة الخامسة:
يقول الإمام:"كُلُّ مسألة لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا عَمَلٌ؛ فَالْخَوْضُ فِيهَا خَوْضٌ فِيمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ"
فكل مسألةٍ المقصود بها تمرين العقل فقط وإظهار الخلاف ولا ينبني عليها أمرٌ رباني فهي مسألةٌ لم يدلّ دليلٌ على استحسان الخوض فيها.
"وَأَعْنِي بِالْعَمَلِ: عَمَلَ الْقَلْبِ وَعَمَلَ الْجَوَارِحِ، مِنْ حَيْثُ هُوَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا".
فالعمل لا يقصد به الأمور الفرعية المعروفة في الفقه، إنما المقصود به الأوامر الإلهية.
"وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِقْرَاءُ الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّا رَأينَا الشَّارِعَ يُعرضُ عَمَّا لَا يُفِيدُ عَمَلًا مُكَلَّفًا بِهِ، فَفِي القرآن الْكَرِيمِ: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأهلةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] "
فلما أجابهم، أجابهم بما يخدم دينهم.
"فَوَقَعَ الْجَوَابُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعَمَلُ؛ إِعْرَاضًا عَمَّا قَصَدَهُ السَّائِلُ مِنَ السُّؤَالِ عَنِ الْهِلَالِ"
قصد السائل أن يعرف كيف تشكّل الهلال، وكيف كبر وصغر، فصرفه عن مراده إلى مراد الشارع.
"لِمَ يَبْدُو فِي أولِ الشَّهْرِ دَقِيقًا كَالْخَيْطِ، ثُمَّ يَمْتَلِئُ حَتَّى يَصِيرَ بَدْرًا، ثُمَّ يَعُودُ إلى حَالَتِهِ الْأولَى؟ ثُمَّ قَالَ: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [الْبَقَرَةِ: 189] ، بِنَاءً عَلَى تَأويلِ مَنْ تَأولَ أَنَّ الآية كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ فِي التَّمْثِيلِ إِتْيَانٌ لِلْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا"