الصفحة 97 من 166

"فِي تَقْرِيرِ مَعَانِيهَا وَمَنَازِعِهَا فِي أنواع مخاطباتها خاصة، فإن كثيرًا مِنَ النَّاسِ يَأْخُذُونَ أَدِلَّةَ القرآن بِحَسَبِ مَا يُعْطِيهِ الْعَقْلُ فِيهَا".

إذا تقرّر أن هذا العقل هو عقلٌ صحيح فلا بد أن تكون اللغة العربية تحتمل هذا المعنى.

نأخذ مسألة يذكرها الشاطبي في (الموافقات) وهي:

قضية التفسير العلمي للقرآن:

طبعًا هو يقرر:"أن من قواعد الأصول أن هذا الدين نزل على أمةٍ أمية، فكل علومٍ تنتج منه على غير قواعد العربي الأمي ليست مُرادةً في القرآن"؛ يريد في النهاية أن ينفي التفسير الموجود الآن؛ هل استخراج المعاني الكونية -التي تُستخرج من خلال التحليل لإثبات شيء كما هو الحال الآن في قضية تكون الجنين- وإدراك الناس والبحَّاثة لها ثم رؤية ذلك في القرآن؛ هل هذا يُعد تفسيرًا له؟

هذا تفسير للقرآن لا باللغة، بل بالعقل والواقع، ولكن هل اللغة البيانية الموجودة في القرآن والتي رآها موافقةً للواقع، هل هي بلفظها تدل على هذه المعاني في إحدى معانيها؟

الجواب: نعم، مثلًا قال تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} لما ترجع لكلام الأئمة الأوائل ترى أنهم قالوا:"بلى قادرين على أن نقلب أصابعه مخلب صقر أو مخلب نسر أو يد نمر"اللغة هكذا تنطق، ولكن لما جاؤوا الآن ووجدوا أن هذا البنان فيه خاصيةٌ ولذلك ذُكر، فهذا الذِّكر الخاص يقتضي وجود شيءٍ خاصٍ في الخِلقة وهي البنان، فهكذا فُسرت.

الآن اكتشفنا هذا المعنى في القرآن عن طريق الواقع، وهذا لا ينفيه القرآن؛ إذ قال تعالى: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأويلُهُ} ، يعني أن هناك أمورٌ كثيرةٌ في القرآن لم يأتِ تأويلها، كانوا يفسرونها على مقتضى اللغة، هكذا تقول: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} ، أي قادرين أن نخلق بنانه ونصنعه كيف شِئنا، وجاءت التفاسير بصورة تمثيلية لمحاولة التقريب -وهذه طريقة موجودة عند السلف في التفسير وهي تفسير الشيء بلوازمه وتفسير الشيء ببعض صوره-، والمقصود بها التنبيه على قدرة الله في هذه القضية، {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأويلُهُ} فلما جاء التأويل علمنا أن البنان فيه اختصاصٌ للخلق تختلف عن بقية الأجزاء في بني آدم، وأن هذه البنان فيها مزيةٌ أنها لا تشترك بين الناس، فالاشتراك فيها ضعيفٌ وقليلٌ ويكاد يكون معدومًا.

قديمًا فسروا القرآن بفهم المعنى، ولكن بعد ذلك ما هو البُعد لها؟ هذا شيءٌ لم تذكره الآية، ذكره ابن عباس بما يوافق عصره، وتُذكر الآن بما يوافق العصر، مع بقاء التفسير البياني هو الأصل ولا يجوز لأحدٍ لا لعصر ابن عباس رضي الله عنه -ونحن نقولها من باب التّجوز- ولا لعصرنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت