وأما أهل السنة فالمنتشر عند القدماء الأوائل أن اللغة توقيفية، ويحتجون بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} ، {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} والبيان هو إبانة المرء عن مراده بهذه الأصوات التي اللغة، {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} قال ابن عباس:"علمه الشجر والحجر وعلمه أسماء الأشياء كلها".
بعد ذلك تطور اللغة {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} ؛ هل اللغات كلها ترجع إلى أصلٍ واحد ثم بعد ذلك تفرعت؟
بلا شك أن دخول عامل الزمن في قضية اللغة لا ينفي توقيفية اللغة؛ فالله خلق الأشياء على فطرتها ولا يعني هذا بقاء الشيء على ما هو عليه مع امتداده الزمني، فقد يدخل عليه التغيير والتبديل، وهذا واضحٌ في لهجات الناس ومنطقهم، وواضح في تنميتهم في أخذهم لبعض الكلام وإزالتهم لبعضه.
الآن اللغة الوحشية من لغة العرب كثيرٌ منها بادَ وانتهى ولا وجود له الآن. وللناس نظريات وأقوال في هذه الأسباب، يقول بعضهم: أن العرب أسقطوا كثيرًا من الكلام من عندهم في لغتهم لإحساسهم بغرابته وعدم ارتياحهم عند نطقه؛ مثلًا من أسماء المطر:"البُعَاق"، فهذا الاسم قد ذهب وباد وبقيت"الدِّيَم"وبقي"السحاب"وبقيت الألفاظ التي فيها رقة، وذهب"البُعاق". والذي نعتقده أن القرآن الكريم هو الحدث الذي به ثم تقويم اللغة وتثقيفها وتسهيلها؛ فالقرآن الكريم لا يوجد فيه كلامٌ وحشيٌ من كلام العرب، ومحاولة بعض الذين يكتبون في العربية إحياء الألفاظ الوحشية ووضعها ومحاولة إظهار علميَّتهم في كتابتهم أو في شعرهم، في الحقيقة هذه طريقة بائدة كأنه يحرث في البحر! أو كأنه يريد أن يُحيي الرَّمم. القرآن لم يتعامل بهذه الوحشية، والدليل أننا لما نقرأ القرآن الكريم لا نستصعب منه ألفاظه.
لكن قولنا بأن اللغة توقيفية لا يعني أن الذي نتكلم به الآن هو نفس اللفظ الذي تكلم به آدم، والدليل على هذا بعض الأحاديث كقوله -صلى الله عليه وسلم-: (أولُ مَن تكلّم بالعربيّة إسماعيل) ؛ قال أهل العلم باللسانية: أن الذين قبله كانوا يتكلمون اللغة العروبية؛ لغات متعددة وليست هي العربية الفصحى، فليس هذا معناه أن إسماعيل -عليه السلام- أنشأ لغةً جديدة، ولكنه تكلم بهذه اللغة الفصيحة المضبوطة مع وجود أصلها. وهناك نظرياتٌ كثيرةٌ لا يهمنا البحث فيها في قضية اللغة ووضعها، هناك من يقول: أن أصل اللغات كلها لغة واحدة، هناك من يقول أن أصل اللغة اللاتينية الآن هي اللغة العربية، وأبحاث لا تُقدم ولا تُؤخر وليس لها قيمة في أبواب العلوم، وحتى لو وصلنا إلى نقطة واكتشفنا هذا الباب؛ ففائدته في علومنا وفي أبوابنا قليلة.
القصد من كلام الشاطبي أن المتأخرين قد بحثوا في قضية أصل الوضع اللغوي، ووضعوها في أصول الفقه، فما فائدتها للفقيه؟