الصفحة 92 من 166

ينوّه الشيخ أبو إسحاق في بداية الكتاب على أهمية اللغة العربية، وأنه لا يمكن استنباط أحكام الشريعة من الكتاب والسنة إلا بعلم لسان العرب، وعلم أسرار الشريعة ومقاصدها.

نقرأ المقدمة الرابعة، يقول:

"كُلُّ مسألةٍ مَرْسُومَةٍ فِي أصول الْفِقْهِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا فُرُوعٌ فِقْهِيَّةٌ أو آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ، أو لَا تَكُونُ عَوْنًا فِي ذَلِكَ؛ فَوَضْعُهَا فِي أصول الْفِقْهِ عَارِيَةٌ."

المعنى واضح؛"كل مسألة موضوعة"يضعها الباحث أو طالب العلم أو العالم"في أصول الفقه ولا ينبني عليها فروعٌ فقهية"، أيْ لا تُنتج المقصد الذي وُضعت من أجله -لأن اسمها"أصول فقه"فهي متعلقة بالفقه وأحكامه-،"أو آداب شرعية أو لا تكون عونًا في ذلك"أي عونًا في استنباط الحكم الشرعي أو تعلم الآداب الشرعية،"فوضعها في أصول الفقه عارية"؛ أي ليس عملًا أصليًا في أصول الفقه.

"وَالَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ لَمْ يَخْتَصَّ بِإِضَافَتِهِ إلى الْفِقْهِ إِلَّا لِكَوْنِهِ مُفِيدًا لَهُ".

إذن قيمة أصول الفقه أنه مفيدٌ لقضية الأحكام الشرعية، مفيدٌ للفقه، والإحاطة باللغة العربية والإحاطة بمقاصد الشريعة والإحاطة بقواعد الأصول والأصول الفقهية هدفها أن تنتج لنا الأحكام التي يريدها الله منا.

إذن أصول الفقه هو علم من علوم الآلة وليس مقصودًا لذاته -بالنسبة لمسائل الفقه-، وإن كان العقل بحاجة إليه، وإن كان الإنسان عليه أن يحيط به ويتعلمه من أجل أن يعينه على كل مسائل الحياة؛ لأنه يضبط فهمه للقضايا، وهنا في أصول الفقه يضبط فهمه للكتاب والسنة.

فأصول الفقه ليس مهما لذاته، وإنما فائدته في نتائجه المؤدي إليها، وهو أن يكون عونًا للمرء على إدراك مراد الرب في كلامه، وإدراك مراد النبي -صلى الله عليه وسلم- في كلامه.

وهنا أنبِّه على نقطة؛ أن الأصوليين المتأخرين منذ عصر البيضاوي ومن تبعه من المتكلمين لا يأخذون أصول الفقه كعلم يستعينون به على إدراك الحكم الشرعي، إنما صار علم أصول الفقه علمًا مستقلًا؛ يفهم مباحثه ويفهم قواعده وقضاياه ومسائله وحدوده من أجله هو، ولا يستعين به على فهم الكتاب والسنة، ولذلك -للأسف- أغلب الأصوليين -وكان أغلبهم من المتكلمين- بعد القرن الرابع الهجري لم يكن عندهم اهتمامٌ بالسنة وكان عندهم عجز كبير فيها. فهم إذن كانوا يأخذونه كعلم لذاته مع أن الصحيح أنه آلة لغيره؛ مثلًا الغزالي مشهور أنه كان يقول:"بضاعتي في الحديث مُزجاة"-أي قليلة-، وهذا يظهر في كتابه (الإحياء) ؛ فهو لا يميز فيه بين الصحيح والضعيف والموضوع، وكذلك (المعتمد) لأب الحسين البصري؛ لا شيءٍ فيه من السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت