فإثر مثل هذا النزاع، صارت تنشأ الشعارات، وكل فريق يستهزئ بالآخر، وأهل القياس يتهمون أهل الحديث أنهم لا عقول لديهم.
وهنا نقطة مهمة أود ذكرها لكم، وهي:
هل يجوز لنا أن نفرق بين المحدث والفقيه؟
قد يُقال: وما هو الفقه سوى أن يكون الرجل عالمًا بالحديث؟!! وهذا ليس بصحيح، فإن معرفة الرجل بالصحيح والضعيف ليست كافية في قضية معالجة هذا الصحيح لمعرفة الحكم الشرعي والتوفيق بينه وبين غيره، أو لمعرفة وإدراك مراتب اللفظ للدلالة على أحكامه.
فلهذا يمكن أن يكون الرجل محدثًا عالمًا بالحديث محيطًا بالكثير من الأحاديث ومع ذلك ليس بفقيه، وقد شكى كبار الأئمة في عصورهم من وجود زوام الأحاديث ولكنهم ليس لديهم من الفقه شيء، بل الحديث يُثبِت هذه المرتبة من المراتب بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ وَعَاهَا وَحَمَلَهَا، رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) .
ولو أردنا الكلام عن هذه المراتب؛ مَن أوسع حفظًا في الأحاديث، الإمام أحمد أم الشافعي؟ الجواب: الإمام أحمد أوسع حفظًا، والشافعي كان يعتز بهذا، يقول:"أنتم أصحاب الحديث، أنتم أئمته، أنتم رجاله، دُلونا على الصحيح ونحن نعالجه"، نحن الأطبة وأنتم الصيادلة، أعطونا المادة ونحن نعالجها.
وقد شكا الإمام الخطيب البغدادي -وكذلك الذهبي وابن الجوزي- من وجود أهل الحديث لكن غير فقهاء؛ فممكن أن يكون هناك محدث غير فقيه، وممكن أن يكون فقيه ليس لديه القدرة على التصحيح والتضعيف، ويأخذ مواد من الآخرين ويعالجها فيستخرج الحكم الشرعي، ويكون في هذا الباب أعلم من المحدث الذي هو إمام في التصحيح والتضعيف.
نرجع حتى تكتمل لدينا الصورة من الخصومات التي نشأت في داخل المجتمع الإسلامي بين المحدث والفقيه، وبين المحدث الفقيه وصاحب الرأي والقياس.
نشأت هذه المشكلة وبدأت هذه الشعارات تتقاذف بين الطرفين:
-فأهل الحديث يتهمون أهل الرأي بأنهم لا يحترمون الحديث -وصل أن اتهموهم بالزندقة-، وأهل الرأي بالفعل لما وجدوا أن كثيرًا من الأحاديث لا تصلح دليلًا، وأنَّ معرفة آية أو معرفة