الصفحة 87 من 166

(إعلام الموقّعين) ، فلا تجد هذه الأبواب والفصول والتبويب؛ بل تخلط فيها مسائل التفسير والأصول وغيرها، لذلك يحتاج كتاب الشاطبي إلى عناية من هذا الباب. وعبارات الشاطبي في الحقيقة عبارات راقية، فكما اهتم بعضهم بتلخيص كتابه (الاعتصام) كما فعل الشيخ علي محفوظ في كتابه (الإبداع في مدار الابتداع) ؛ فكتاب الشاطبي يحتاج إلى ترتيب ويحتاج إلى تعامل معه في الرد على الذين يكذبون على صاحبه ويزوّرون مقصده. وهنا أنهي فيه كلامي على الشاطبي في هذا الباب.

المدرسة الظاهرية

سنتكلم الآن عن مدرسة ابن حزم (المدرسة الظاهرية) :

أول من ألف في ذمّ القياس هو داوود بن علي الظاهري، ولد في الكوفة وتوفي في بغداد (201 - 270) ه، ـ فهو عاصر الشافعي ولكنّه لم يدركه، وكان مُعظّمًا له، وقد أخذ الحديث على يد أبي ثور تلميذ الشافعي، وأخذ الحديث عن إسحاق بن راهويه، وقابل الإمام أحمد، ويُجمِع أهل عصره على قوة عقله، ولكن يقولون أن:"عقله أكثر من علمه". وفي الحقيقة؛ هذه العبارة التي تتردّد على ألسنة العلماء أتعجّب منها! وهي تدل على القدرة الفائقة عند الأوائل في إصدار العبارات التي وراءها جبال من المعلومات، وجبال من الدراسة؛ أولًا تقسيم المسألة: هناك عقل وهناك علم، هناك علم وهناك سياسة العلم، أبو الوليد الفَرَضي يقول عن ابن حزم:"هو كالبحر، لكن لم يكن لديه سياسة العلم".

هذا التقسيم الرائع من أين يأتي، وعلى ماذا يدل؟ يدل على أن الأوائل كانوا علماء، ليس بمعنى فهمهم فقط للشريعة ولكن ملاحظاتهم الدقيقة للواقع، وحركة الحياة وحركة الشخص؛ فداوود بن علي مما قيل فيه أن:"عقله أكبر من علمه"، وله كتاب اسمه (الزُّهرة) وهو في أبواب دراسات النفس ومسائل الحب وغيرها، وربما ابن حزم جرى على سَننه في تأليف كتابه (طوق الحمامة) ، المهم أن هذا الرجل معروف بسعة علمه وشُهد له بديانته وباطّلاعه وحفظه وعقله وقدرته على المحاورة.

وداوود ابن علي قرأ كتاب الإمام الشافعي (إبطال الاستحسان) في الردّ على الأحناف، فوجد أن أدلّته تصلح لإبطال القياس، وهو كان على مذهب الشافعي، وأبو ثور كان على مذهب الشافعي، فقال بنفي القياس؛ لكن هل نفى كل قياس كما هو شأن ابن حزم؟ لأن ابن حزم ينفي العلة، تصوّر أن رجلًا منطقيًا ينفي العلة! فقال أن الشريعة لا يجوز أن نقول أنها جاءت لتحقق مصلحة، بل جاءت لتحقق العبودية فقط، هو أمر الله إذن طبِّقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت