فكيف يصبح كتاب الشاطبي الذي هو يضبط العلة من بُعد دينيّ، ويُقيّدها التقييد اللازم، كيف يصبح هذا الكتاب حُجّة في هذا الوقت لإسقاط الأحكام الشرعية؟!
وكلما أراد أحد أن يُسقط حكمًا يذكر كلام الإمام الشاطبي وابن القيم في المصلحة، وكلام ابن القيم عن المصلحة هو من شيخه في الحقيقة الذي تكلم فيه في كثير من المواطن وعندما تحدّث عن الذين فتحوا باب المصلحة بحجة السياسة وأغلقه، وابن القيم حين تكلّم عن هذا في كتابه (الطرق الحُكميّة) توسع فيه، وفي الحقيقة هذا الباب مبحثه عظيم، فقال:"عندما أغلق الفقهاء أبوابًا من الشرع اضطر أهل البدع أن يفتحوها من أبواب أخرى"؛ عندما نقول مثلًا: أن الشرع لا قيمة فيه للمصلحة -كما يقول ابن حزم-، أو يقول: يمكن أن تأتي الشريعة بالمتعارضات؛ لأنه ينفي العلة بخلاف شيخه داوود، فلما يأتي وينفي العلة وينفي تحقيق المصلحة والناس يحتاجون لها؛ حينها يضطرون لفتح باب آخر، فلما أغلق الفقهاء أبوابًا في الشريعة ذهب الحكام وفتحوها من باب السياسة وباب المصلحة، فقام ابن القيم -الذي يقول: حيثما كانت المصلحة فثمّ شرع الله- بإرجاع هذا الباب إلى الدين لأنه إذا أُخرج منه أصبح بهيميًّا شهوانيًّا واتباعا للهوى، فالأصل أن يعود هذا إلى الدين ويُضبط بما ضبطته الشريعة، فقال أن تطبيق السياسة في داخل الشريعة موجود، وابن القيم يتحدّث مع علماء ولا يتحدث مع جهلة، وهنا يأتي الجهل الذي يقع من دارسي مثل هذه الكتابات وكتابات الأئمة، فابن القيم أدخل السياسة في الشريعة وجعلها مُحققة، ولكن أدخلها من أن أجل:
-أولًا: أن يَرُدّ تقييدًا وضعه الفقهاء في غير محلّه، ومن أجل أن يرُد التقييد الخطأ.
-ثانيًا: من أجل أن يضبط السياسة التي صارت تتبع هوى الحاكم من أجل أن تعود للشريعة فتنضبط.
ولكن هؤلاء يريدون أن يجعلوا الهوى الذي يمارس باسم الفقه والشريعة وتحت راية ابن القيم!
وأبو إسحاق الشاطبي لمّا يتكلم عن الشريعة باعتبار المصلحة فإنّما يريد أن يضبطها لئلّا يأتي واحد فيفتح باب المصلحة بعيدًا عن الدين، لكن أن نُدخل المصلحة باسم الدين على معنى الهوى والتشهي؛ هذه مصيبة وطامة! وهو إضفاء الشرعية على الهوى والتشهي الذي ذمَّه العلماء.
ومن فعبارات الأئمة يجب أن تُدرس، فهي تطوّرت لعلاج واقع وليست هي نصوص فوق الزمان والمكان كما هو شأن الكتاب والسنة.
فهذا ما يتعلّق بحديثنا عن كتاب الشاطبي، وكتاب الشاطبي صحيح أنه في القرن السابع الهجري وكانت الكتب في ذلك الوقت قد بدأت تؤلَّف التأليف المنهجي، فيوضع فيها التقسيم والأبواب والفصول ... إلخ؛ إلا أن كتاب الشاطبي يأخذ مَنْحى كتابات الأوائل، مثل كتابات ابن القيم في