الصفحة 85 من 166

فالقصد من هذا أننا سنتبيّن وسنقرأ هذه المباحث -إذا قدّر الله- من (الموافقات) للشاطبي لنكتشف كذب من نسب إليه فتح باب المصلحة على مصراعيها دون ضوابط، بحيث نعرف ضابط المصلحة التي يفتحها والتي يقول بها.

تحريف مقصد كلام الشاطبي:

فكما أن الزنادقة حاولوا أن يُضلِّوا الناس بتحريف القرآن الكريم عن مقصد متكلمه -وهو الرب سبحانه وتعالى-، فكذلك وجدنا من يستخدم كلام الشاطبي في غير ما أريد به؛ فالشاطبي لا يريد أن يفتح باب الدين ليلعب فيه كل أحد، بل ليضبط المسائل.

فمثلًا انظروا إلى المصلحة التي يضرب مثالًا لها: حاكم أو ملك أراد كفّارة الإفطار في رمضان؛ فالأصل أن يقول له:"إطعام ستين مسكينا"، لكن الفقيه نظر إليها فقال:"هذا الحاكم يستطيع أن يطعم ستين مسكينًا، فمن أجل تقييده ومن أجل معاقبته كحاكم ينبغي أن نأمره بالصيام؛ لأن العقوبة تتحقّق فيه أكثر من الإطعام". فهو نظر إلى الشريعة لا باعتبار المُطلق ولكن أدخل عليها ما يُسمّى في هذا الزمن"بالتاريخانية"؛ فصار يتعامل مع الواقع كمُجزِّئ للنص، وقد قلنا الأصل أن نتعامل مع الكتاب والسنة في عالم المطلق ولا يهمنا الأفراد: أنت بأي وضع تدخل في الحكم، أنت حاكم أنت ملك، كل هذه عِلل لا قيمة لها في الشريعة، وهذا من قيمة مباحث القياس التي ينكرها ابن حزم، وسنرى في الحقيقة أن إغلاق باب القياس بالطريقة التي قالها ابن حزم سيفتح أبوابًا من الشرور الأخرى.

فتنقيح المناط هو معرفة العلة التي أرادها النص والتي أنشأت الحكم في داخل النص، وتحقيق المناط: هو تحقُّق وجود العِلة في داخل الواقع، أي بعد أن عرفنا العلة في داخل الحكم نتحقق من وجودها في الواقع، وهذا الباب عظيم جدًا، فالمناط هو العلة، وهو الذي يُعلّق عليه الحكم، وتنقيحه يمكننا من معرفة هل المناط الذي علّق عليه الفقيه الحكم مُعتبر، ففي المثال السابق: هل كون الرجل غنيًا أو فقيرًا معتبر في الشريعة في تقسيم الأحكام؟

وهذه لا يمكن أن نعرفها إلا من خلال إحدى أجزاء القياس وهي"تنقيح المناط"؛ أي معرفة العلة المؤثرة في الحكم، وليس أي علة، وضربوا مثالًا على الأعرابي الذي أتى زوجه في رمضان، فهل العلة كونه أعرابي، أم كونه أتى زوجته، أم كون الجماع في رمضان؟ وهذا ما يُسمى بـ"السَّبْر والتَّقسيم"، وهو تجميع العلل الظاهرة ثم استبعاد الخطأ والضعيف منها وإبقاء العلة المؤثرة، وهو الذي يسمى بتنقيح المناط، -وإن كان بعضهم يُفرّق بين السبر والتقسيم وبين تنقيح المناط، وابن تيمية قد فصّل في هذه النقطة تفصيلًا جيًدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت