الصفحة 84 من 166

ومن المباحث العظيمة أيضا في كتاب (الموافقات) : مبحث"التعارض"، ودرء التعارض هو إحدى المشاكل الكبيرة في داخل أصول الفقه: مصلحة خالفت مصلحة ما الذي يُقدَّم؟ مفسدة خالفت مصلحة ما الذي يقدم وما الذي يؤخّر؟ ما هو الشيء الذي يكون تابعًا وما هو الذي يكون أصليًا؟ فهذه من القواعد المهمة التي يكثر الشاطبي الكلام عنها، وكذلك مسألة المُحرّم لغيره والمحرّم لذاته؛ إذا تعارض هذا مع هذا ما الذي يقدم؟ -وهذا ذكره ابن القيم في (إعلام الموقعين) -. وهذا يمكننا من فهم مراتب الشريعة، ومن معرفة أن الشريعة مراتب في طلب الحق، وأن هناك فريضة وهناك سنة، وأن الأوامر تتفاوت مرتبتها، ومن الترجيح بين المصالح، وإن أتانا أمر يتسبب في مفسدة؛ هل تلغي الأمر أم أنها ملغية ... إلخ، فكل هذه قواعد.

وإلى الآن لم تُكتب في هذه المسألة كتابة مستقلة، إنّما نحتاج إلى تجميع من كلام الأئمة في هذا الباب، فممَّا يقوله أبو إسحاق الشاطبي:"أن هناك أحكام طلبها الشارع تبعًا، وهناك أحكام طلبها الشّارع أصالةً"، فالصلاة مقصودة لنفسها، ولو نظرنا إلى الوضوء باعتباره حكمًا مُستقلًا فهو مطلوب من قِبل الشارع، ولكنه تبع للصلاة؛ فهل عدم تحقيق التّبع يُلغي تحقيق الأصل؟ ولو الانشغال بما هو تبع يُلغي ما هو أصل؛ فما المقدم؟ فهذه مسائل تُبين مراتب الشريعة.

من هو المؤهل للكلام في مقاصد الشريعة؟

فمن الذي يستطيع أن يفهم هذه المسائل؟ ومن الذي يُقرر أن هذا مقصد من مقاصد الشريعة وأنه مقصد أصلي وأن ذاك مقصد تَبَعي؟ وهذا ما يسمونه الآن"روح الشريعة"ويحتجّون به في مسائل كثيرة بقولهم:"روح الشريعة تقوم على هذا"، فمن الذي يقرر أن روح الشريعة تقوم على هذا؟

هل حفظ الإنسان من مقاصد الشريعة -كما يقولون مثلًا في هذا الزمان-؟ ليس من مقاصد الشريعة حفظ الإنسان، والدليل على هذا عشرات الأدلة التي تبين أنه يجوز للمرء أن يقتل روحًا لأشياء هي أقل قيمة من الإنسان من جهة النظر إليها مُجرّدة، كسارق المال: لو أن رجلًا جاء ليسرق من بيتك فيجوز لك أن تقتله، فإن قتلك فأنت شهيد.

إذن؛ فهذه الإطلاقات التي يطلقونها لإسقاط الأحكام الشرعية لا تُعبّر عن روح الشريعة، والذي يعبر عن روح الشريعة هو الذي تَمرَّس في السُّنة ففهم مراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الذي يفهم روح الشريعة هو من ازداد قربًا من الله فصار قربه من الله يُعرّفُه بمراد الله: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت