وكذلك لم يتحرّر من طريقة عرض المسائل: من التّعريفات والطرق التي تحدثنا عنها سابقًا.
وحتى كتب المتأخرين مع وجود نزعة حديثية فيها، مثل ابن قدامة المعروف أنه أثريّ حديثي، وليس أشعريًا وليس على مذهب المتكلمين، ومع ذلك -من خلال السياق-؛ لما أراد أن يكتب كتابًا في أصول الفقه لم يتحرر من بيئته ومن تطور أصول الفقه.
فلا يعني هذا أن نقول أنّ: كتاب (روضة الناظر) هو على منهج المتكلمين إذن هو غير مفيد ولا ينبغي أن نطلع عليه، هذا كلام غير صحيح.
نحن نتكلّم هنا عن تاريخ ووصف، أمّا أن يقع في قلب طالب العلم الإعراض عن هذه الكتب وعدم قراءتها فسيفوته خير عظيم، ولن نستطيع أن نفهم مباحث أصول الفقه التي تطوّرت مع الزمن ووجود حقائق فيها إلا بعد قراءة هذه الكتب.
الآن لو أراد طالب العلم المبتدئ أن يقرأ أصول الفقه من خلال كتاب (الرسالة) للشافعي، فلن يخرج بالعقلية التي نريدها للأصولي؛ لأن أصول الفقه بعد ذلك دخلت فيه مباحث جديدة وعظيمة لا توجد في داخل (الرسالة) . كذلك (الفقيه والمتفقه) ليس شاملًا لكل مباحث أصول الفقه.
فهناك مسائل كثيرة في أصول الفقه يُصيب أصحابها ويخطؤون ولكنها من أصول الفقه، وليست موجودة إلا في الكتب التي كتبت بطريقة المتأخرين والمتكلمين، وهذا الكلام عن المدارس قد يجعلنا نعرض عنها.
أمّا بالنسبة لكتب الأحناف؛ فأنا لا أنصح بقراءتها للمبتدئ في هذا الباب ولا أحبذها، وأعتبر البحث فيها من المرتبة الثالثة والرابعة في قراءة أصول الفقه، ولكن أن يُعرض المبتدئ حتى عن كتب الأصول التي كُتبت على طريقة المتكلمين فهذا ضعف فيه؛ فهنالك مباحث عظيمة جدًا لا توجد إلا في الكتب التي أُلفت بحسب سياقها التاريخي وتأثرها البيئي بهذه الطريقة، وهي مسائل أصولية.
وكما وقع في كتب الفقه؛ فقد كانت هناك محاولات للكتابة على طريقة الجمع ما بين التأثر بأهل الكلام والمنطق، ومحاولة الاستدلال بالكتاب والسنة على المسائل، مثل (مختصر التّحرير شرح الكوكب المنير) لابن النّجار تقي الدين المتوفى سنة 972 ه، والذي حاول صاحبه جاهدًا أن يُكثر الاستدلالات من الكتاب والسنة في مباحثه الأصولية، ولكنَّ ترتيب الكتاب في طريقة شكله وجمعه كان على طريقة المتكلمين، وكذلك في طريقة الخوض في مواضيع التّعريفات.