والخطأ المتمثل في أن يُفوّت طالب العلم كتب المتكلمين بحيث يُعرض عنها ولا ينظر إليها ويقرأ فقط كتب السلفية في مباحث أصول الفقه، كالخطأ الذي وقع في كل فترة من أهل الحديث في سبِّهم على أهل الرأي؛ فلا نُريد أن تنشأ في داخلنا ردّة فِعل على هذه الكتب.
ولا يمكن أن يفهم المرء أصول الفقه إلا بعد أن يُحيط بكثير من المسائل؛ فهنالك مسائل أصولية كثيرة هي من أمّهات الأصول ومن قضاياه ومن مسائله والاستدلال بها بالكتاب والسنة، ولكن لأن طريقة المتأخرين غلب عليها طريقة المتكلمين في كتب الأصول، فإنّما تجد هذه المسائل في الكتب التي صيغت على طريقة المتكلمين.
فهاتان القضيّتان أردت التّقديم لهما كمراجعة لما تقدَّم من الحديث في هذا الباب.
وقد تحدثنا عن بعض الكتب، وتحدثنا عن المدارس، وذكرنا بعض الكتب نماذج، وفاتنا بعضها بلا شك، وتكلمنا عن أهمية كتاب (إعلام المُوقِّعين) ، وتكلمنا عن (الفقيه والمُتفقِّه) ، وعن (جامع بيان العلم وفضله) ، وتوقفّنا في الكلام عند كتاب الشاطبي (الموافقات) .
وهذه الخلاصات التي نقدمها في هذا المبحث غير كافيه، فعندما نتكلّم عن (الفقيه والمتفقه) إنما ينبغي أن يكون كلامنا هذا دافعًا لقراءته والاطلاع عليه، فلا يُمكن أن تعرف ما في (إعلام الموقّعين) من مسائل كثيرة إلا بالدراسة والمدارسة، فهو يتحدث عن الاستحسان، ويتحدث عن قول الصحابي، وعن العرف، وعن سد الذرائع، ويتكلم عن الحيل، وفيه أبواب ومسائل كثيرة لا تستطيع أن تكتفيَ منها بمعرفة أنّ الكتاب جميل، فتأخذ هذه العبارات كأنك قرأته!
ومن هنا كنت أريد أن تكون هذه الدورة قراءةً لمباحث من كتب متعددة، وفي الحقيقة هذه الطريقة ليست هي المرتبة الأولى في دراسة أصول الفقه، قد تكون المرتبة الثانية أو المرتبة الثالثة؛ إنما المرتبة الأولى هي أن يتعلّم المرء -كما قلنا في الدرس الأول- مصطلحات أصول الفقه، وسنحاول أن نُقدّم شيئًا كافيًا في هذا الباب.
طريقتنا في دراسة مسائل أصول الفقه:
هنا نقطة، كل مسألة سنتحدث عليها في باب من أبواب أصول الفقه سنذكر المراجع المهمة التي تكلّمت فيها كلامًا شافيًا:
فلو أردنا أن نتحدث عن باب"المصلحة"، فسنرجع إلى ما قرره الشاطبي في قواعد المصلحة، ولو أردنا أن نقرأ عن"القياس"بين مؤيديه ومعارضيه، فعلينا أن نقرأ ما قاله ابن القيم في (إعلام الموقعين) ، ونقرأ كلام الشنقيطي -رحمه الله- في الرسالة الضميمة في (مذكرة أصول الفقه) في الرد على ابن حزم -عندما شرح الآية- واحتجّ بها على ابن حزم في إثبات القياس.