الشافعي في الحقيقة ألف كتابه لأهل الحديث، وكأن أهل الرأي خصوم لا يؤلف لهم، وليس معنى هذا أنهم ليسوا فقهاء، والخطيب البغدادي كذلك وجه نصيحته لأهل الحديث؛ فهم المقصودون لأن الخير فيهم أعظم، حتى لما ألّف ابن قتيبة وهو كتاب لا يبحث في الفقه إنما يبحث في المسائل المتعارضة وهو (تأويل مُختلِف الحديث) كتَبه لأهل الحديث، لأنهم هم المعنيُّون، وهم أكثر الناس صوابًا وأقلّهم خطأً، ولكن هذه الأخطاء إذا غلبت وصارت هي المنهج فمصيبة، كما ترون في هذا الزمن أن هذه الأخطاء صارت منهجا، يتلقّاها السلفي أو الذي ينتسب لأهل الحديث، وصارت لديه وهو من الجهل بمكان، وتُعطى له كلمات الأئمة في غير بابها، وتقطع عليه طرق التعلُّم.
لماذا كتب أصول الفقه في (الفقيه والمتفقه) ؟
إذن جاء الإمام الخطيب؛ وكتب كتابه لهذا المرض الذي استشرى، وكتب في مراتب الأدلة، وكتب في أقسام الأحكام، وكتب كذلك في طرق التعارض وفضّه، ونقل كثيرًا عن الإمام الشافعي، وكان مُعظِّمًا لأهل الحديث، حتى أنه كتب كتابًا سمّاه (بيان مسألة الاحتجاج بالشافعي) ، وبيّن خطأ من ضعّف الإمام الشافعي -عليه رحمة الله- في علم الحديث، ونقل نقولًا كثيرًا من (الرسالة) وكانت استثمارًا أوسع، فكتاب الشافعي -ككل الكتب الأولى- غزيرة لكنها مُقتضبة مُكثّفة، فوسّعها في كتابه.
لذلك يُعتبر الكتاب الثاني والثالث من كتب الحديث التي مشت على السنن التي وضعها الإمام الشافعي: (جامع بيان العلم وفضله) ، و (الفقيه والمتفقه) .
هل هناك كتب أخرى في أصول الفقه على منهج المحدثين؟
في الحقيقة لا نعلم، ولكن هي أعصار تأتي، فكان بعد ذلك ما كتبه ابن تيمية، ولكنه لم يكتب أصولًا، هو بفقهه وطريقة ممارسته وفتاواه أعاد للأصول الحديثية نضارتها، ولكنه لم يكتب أصولًا، وتعليقاته على المسوَّدة التي كتبها جده، ثم علّق عليها والده، ثم كتب عليها شيئا زائدًا في الحقيقة لا تُعدّ شيئًا لو نظرنا إليها، وهذا يُدخلنا في: لماذا لم يكتب ابن تيمية في الأصول؟ وليس هنا الحديث عليه.
ولكن ابن القيم كتب في أصول الفقه وفي المسائل الخطيرة في أصول الفقه في كتابه (إعلام الموقِّعين) ، وكان هناك ضوء قوي في المغرب هو الشاطبي وهو معاصر لابن القيم، وكتابه (الموافقات) الذي يعد إحياءً -مع اختلاط شيء يسير في طريقة المتكلمين-، لكنه في الحقيقة إحياء عظيم لطريقة السلف. فالحديث عن هذين كتابين سيكون مختصرًا إن شاء الله في درس قادم.