أولًا: جهلة في الفقه، فلتطاول أهل الرأي في القياس والرأي؛ صار أهل الحديث يشتمونه، فقلّت عنايتهم به، وأصبحوا فقط حملة جوامع، لا يفقهون ما يروون. وهي حالة مشابهة لأهل عصرنا مع كلمة"مصلحة"؛ فمن كثرة استخدام أهل البدع للمصلحة صارت كلمة مذمومة وتعادل الشرك والكفر عندهم!
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) أنه لا يكون الرجل فقيهًا حتّى يعرف الخلاف والمقاييس، والمصلحة، وضوابط الفقه، ويعرف أقوال الأئمة، وألا يُفتي والمسألة في واقع الأمر ليست على الصورة التي يظنها في عالم المطلق؛ فالفقه ليس هو كتابة الفقه في الكتب.
فالإمام أحمد -عليه رحمة الله- هل يمكن أن يكون فقيهًا دون أن يعرف أقوال هذه الائمة؟ مَنْعُه للفتوى بأقوال الأئمة لا يعني أنه يسعه ألا يَعْلمها.
وأبو عمر بن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) ذكر أنه لا يكون الرجل فقيهًا حتّى يعرف الخلاف؛ وهذا الذي يجمع الحديث وهو يحتقر فقه الأئمة هذا كيف سيجمع الخلاف؟! فلو سمع أحدهم أن: هذا قول الشافعي أو قول أحمد يحتقره ولا يرى أنّ هذا من العلم!
وهذه قصة تحتاج إلى بيان؛ أن طالب العلم المبتدئ ينبغي ألا تُعرض له ولا يُعّلم التقريرات النهائية التي تصل إليها أنت؛ لأنها تُجهِّلُه وتُضعف لديه الهمة في قراءة العلوم، فحين يُقال لمن في بداية: قال الإمام أحمد:"إيّاك وقول سفيان، إيّاك وقول ابن مبارك، وإيّاك وقول ابن المسيِّب، وإيّاك وقول الشافعي، وإيّاك وقول مالك"، وخُذ من حيث أخذوا! فهذا قمة الجهل.
ثانيًا: وجدهم من أكثر الناس إعراضًا عن فقه الأئمة، لا يحفظون منه شيئا ولا يدرون عنه شيئًا. أليس عجيبًا أن تجد مُحدّثًا عظيمًا كالذهبي يقول للمبتدئ في الفقه عليه أن يقرأ في بداية الأمر"تَعليقة"في الفقه؟!
إذن شكا من عصره، من جهل أهل الحديث في الفقه، وجهلهم بالقياس والرأي واحتقارهم إلى درجة أنه لو ذكر الرأي والقياس نفروا منه، وجهلهم بأقوال الأئمة، قال هذا حال أهل الحديث،
آفات أهل الرأي:
ولمّا جاء لأهل الرأي لا داعي أن نذكر ما قال لأنكم تعرفونه، ما زالت أمراضهم لم تتغير: احتقار الحديث، ودعوى التعارض وإلخ.
فكان لا بد أن يُعيد اللُّحمة، وهنا نقطة مهمة: لمن وجه الخطيب رسالته؟