الصفحة 69 من 166

كان أهل الكوفة فيهم التّشيُّع؛ فأهل دمشق فيهم النَّصْب، فلما رأى النَّصْب سألوه أن يُحدِّث أحاديثًا في فضل معاوية فرفض وحدّثهم أحاديث بفضل علي، فقاموا ونقموا منه، فخرج وتخّفى هاربًا، ثم كان في نهاية الأمر أن عاد إلى بغداد، فقصَّته قصة صراع الوقت الذي كان يعيشه الناس.

فضل الخطيب البغدادي:

يُقال:"أنه لم يَقُم لأهل الحديث رجل بعد الدارقطني كالخطيب"، والدارقطني نسبة إلى دار قطن مَحِلّة، هو إمام وَرِث علم الحديث، وهو إمام في العِلَل عظيم، وقالوا:"أنه انتهى إليه علم العلل"، وقالوا:"أنه لم يدخل بغداد بعد الدارقطني لأهل الحديث رجل كالخطيب"، وهو لم يترك فنًا من فنون علم الحديث إلا وقد كتب فيه، وكتب في التاريخ كتابه المعروف (تاريخ بغداد) على طريقة المحدثين؛ وذكر فيه من دخل في بغداد من الصحابة والتابعين والعلماء والفقهاء والمتكلمين، وملأه رواية. وكتب (الكفاية في علوم الحديث) وكتب (الرِّحلة في طلب الحديث) ، وكتب كتابًا في (شرف أهل الحديث) يُعظِّم فيه أهل الحديث الذين كادوا في ذلك الوقت أن يَنقرضوا ويَبيدوا بالرغم من كثرة الرواية.

فلقد كان الشافعية يملؤون المراكب، والباطنية والرافضة صراعهم مع الشافعية، حتى أنه لما أراد الخليفة القادري أن يُبطل مذهب الشيعة بعد خروج البساسيري منه، -الذي أخرجه ألب أرسلان وطرده وأرجع الخليفة السُّني-، فحتى ينصر الخليفة القادري مذهب أهل السنة؛ لم يجد إلا أن يُخرج"الوثيقة القادريّة"التي رسّخت المذهب الأشعري في الأمة إلى يومنا هذا، ومَنَع كل أحدٍ أن يفتي في مسائل الاعتقادات والتّصور إلا على مذهب الأشعري، وهي حُجّة لمن يقول أن المذاهب قد انتشرت بسلطان الدولة، كما يقول ابن حزم:"ما من مذهب انتشر وفاض وترسّخت أركانه إلا بفعل السلطة"، وهذا صحيح.

فهذه إذن حالة الخطيب، وأهل الحديث قلّة، والمقصود بهم الذين على اعتقاد أهل الحديث وليست الرواية، فالرواية منتشرة والشيوخ كثر، ولكن الشافعية الذين رأيتم حالهم صاروا على مذهب المتكلمين، والحنابلة لم يكن لهم سلطان أو قضاء في هذه الفترة البتّة، ولم تتبن مذهبهم مدينة من المدن ولا دولة من الدول، وقد كانت فيهم هذه الممارسات التي شكا منها أهل الحديث، وشكا منها الخطيب البغدادي وأصابه العَنَت منها، حتى أنهم أرادوا قتله! فهذه حالة.

آفات أهل الحديث في زمن الخطيب:

وقد وجد الخطيب -عليه رحمة الله- أن أهل الحديث في زمانه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت