الصفحة 7 من 166

والإمام الشافعي من أئمة هذا الفن ومن أئمة معالجي هذه المسائل، وعنده إحاطة بمذاهب المبتدعة، وقال:"لو شئت لأنشأت في كل مسألة من مسائل الكلام كتابًا، ولكني لا أضيع عمري في هذا ولا أرضاه". وعلق الذهبي على هذه:"وهذا النفس الزكي متواتر عن الشافعي"؛ ولكنه عندما يجلس مع أصحابه كان يناظرهم، فجلس مع حفص الفرد أو المنفرد أو القرد كما كان يسميه، فناظره في هذه المسائل، وكذلك الإمام ابن تيمية وكثير من أئمتنا ناظروا أصحاب البدع بالمعقولات؛ ولكن هذه الطريقة لا تصلح للعامي، فالعامي ينبغي أن يُعطى شعارا للتعامل من خلاله، كي يحذر ويرجع إذا سمع قولًا يخالفه من المتكلمين ويعرض عنه.

وهذا مثل قول الإمام الشافعي:"إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، والشيء غير المُشَيَّء؛ فاشهد أنه زنديق"؛ فالإمام الشافعي -رحمه الله- أعطى شعارا، لكنه لو سُئل باعتباره عالمًا من العلماء: هل الاسم غير المسمى؟ فهو سيجيبك، ويدلك، ويعلمك -بألفاظه الرفيعة العالية العظيمة التي ربما أنت تحتاج إلى حل الألفاظ قبل معرفة معان يها!! - بأنَّ الاسم إنما وُضع للدلالة على المسمى، لا هو المسمى، ولا هو غير المسمى. لكن الإمام الشافعي يقول هذا الكلام باعتباره قاعدةً للعامي، شعارًا، لمن يرون أنهم يجلسون ومدار حديثهم هو عن هذه المسائل.

فعليكم أن تفهموا هذا جيدا وأن تفرقوا بين كلام العلماء فيما هو شعار وضعوه وفيما هو كلام علمي، تمامًا كما تفرقون في تقدير أين يوضع اللفظ الخاص. ومن هنا يجب الانتباه أن اللفظ الخاص إذا وُضع في غير مكانه أو عُمِّم يصبح خطأً كبيرًا؛ وهذا ما أنتج لنا في التاريخ الإسلامي أناسًا يقولون:"لا يجوز لنا أن نتحدث مع أهل البدع البتة"، وهذا خطأ؛ لأن هذا شعار أُعطي للعامي، والدليل أن كبار الأئمة من أهل الحديث كانوا يتكلمون بهذه المسائل ويناظرون فيها، ونحن إذا قرأنا كتب ابن تيمية -باعتباره وارث علم السلف في هذه المسائل- لوجدناه إمامًا، طودًا كبيرًا، وجبلًا بهذه المسائل، ويناقش أهل الفن بعلومهم وبمعقولاتهم، ويرد عليهم من خلال معقولاتهم.

إذن؛ نشأ علم أصول الفقه عندما صار الصراع بين المحدثين، ليس بين المدارس الكلية فحسب -مدرسة أهل الكوفة ومدرسة أهل المدينة-، بل حتى بين أي محدث؛ فلو جاء محدثان اختلفا في مسألة، واستدل أحدهما بحديث صحيح، واستدل الآخر بحديث صحيح آخر، فما الذي يحل هذه المشكلة بينهما؟

الذي يحل هذه المشكلة هو إرجاع المسائل للقواعد الأصولية: بيان أن هذا خاص وهذا عام، وكيفية التوفيق بين الخاص والعام إذا وُجد تعارض، وهذا مجمل وهذا مفصل، وهذا مطلق وهذا مقيد، وهل يُحمل المطلق على المقيد مع اختلاف السبب واتحاد الحكم، مثلًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت