الصفحة 6 من 166

وأنتم تعرفون أن بعض أصول الفقه جاءت نتيجةً للفروع، يعني بعد دراسة الفروع نتجت أصول الفقه؛ فمدرسة الأحناف خرَّجت الأصول على الفروع، يعني جاءت إلى الفقه الفرعي، المتفرع في المسائل، وبدأت تستنتج من هذه الفروع أصولًا تضعها للإمام أو للشيخ، فوجدوا أصولًا يقول بها الإمام نتيجة معرفتهم بتجميع الفروع، لأن الشيخ كان يستنتج المسائل من خلال النصوص ومن خلال القياس.

ومن هنا، فإن من مصادر أصول الفقه: تصور الحكم الشرعي.

يعني أن معرفة الحكم الشرعي الصحيح من خلال وجود المادة، تُنتج لدي قاعدة. فالقاعدة نتجت بعد تصور الحكم الشرعي وبعد معرفته ومعرفة المادة -من قرآن وحديث وأقوال الصحابة- التي أنتجته، وكيفية إنتاج هذا الحكم من المادة التي أفرزته، ومعرفة العلاقة بين هذا وهذا. فالقاعدة الأصولية أنتجت بهذه الطريقة.

وهذا الأسلوب صحيح عندما نطبقه على فهم الصحابة، لكنه خاطئ إذا مارسناه على من بعدهم؛ لأنه ربما العالم يُخطئ، فنجعل خطأه قاعدةً.

نرجع إلى سبب نشأة أصول الفقه.

قلنا أنه نتج من أجل حل الخصومات بين الفقهاء، ففي نفس المسألة يكون هناك قولان مختلفان لفقيهين، وكلاهما لا يستطيع أن يرد على الآخر؛ فواحد يذكر الدليل القرآني، والآخر يأتي بقوله من الحديث، هذا يستدل بآية فيها عموم، والآخر بحديث خصوص، كيف يُحكم بينهما؟

فنشأت -من خلال هذه الخصومة بين الفقهاء- عبارات قاسية بينهما؛ فهؤلاء الذين يأخذون بالأحاديث الخاصة في المسألة، يتهمون الآخرين -الذين لا يأخذون بها ويأخذون بالعمومات في الكتاب والسنة و يقيسون عليها أو يفرعون عليها- بعدم احترام الحديث، فلا يكتفون بتخطئتهم في المسألة، بل ينزلون عليهم حكما قاسيا.

وهذه المسألة هي التي تنشأ لدى العوام، فمثلًا لمّا العامي المسلم المؤمن يجلس أمام رافضي، فهو ينكر في قلبه ما يقوله هذا الرافضي، ولكنه لا يستطيع أن يرد عليه، لأنه ليس لديه قواعد تمكنه من ذلك؛ فيقول له:"أنت زنديق، أنت لا تحترم الصحابة"، ويخرج. لكنه لا يستطيع أن يرد على المسائل التي ذكرها هذا الرافضي؛ فينشأ هذا الشِّعار عند عدم القدرة على الرد على فرعيات المتكلم، وهذه طريقة صحيحة، وكان العلماء في كثير من الأحيان يضعون قواعد لعامة المسلمين غير مقبولة لدى العالم ولكنها تعطى للعامي للتمييز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت