انفصال الصفة عن الذات، والبحث في هذا طويل ونحن يكفينا أن نعرف أن دين محمد -صلى الله عليه وسلم- وأن إجماع السلف إنما يقوم على أن هذا القرآن الذي نتلوه هو كلام الله، تكلم به سبحانه وتعالى بحروفه، والله -سبحانه وتعالى- تكلم به بصوته، والله -عز وجل- له صوت لا يشبه أصوات المخلوقين، وتكلم بهذا الكلام وسمعته منه بعض الملائكة، وأن موسى -عليه السلام- هو كليم الله، أي سمع كلام الله لما وصل الشجرة فناداه: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه/14] ، فتكلم الله -سبحانه وتعالى- مع موسى وسمع موسى كلام الله.
مسائل متعلقة بكلام الله:
-وقد غلب على بعض من كتب في هذه المسألة من أهل الحديث أنهم ظنوا أن كلام الله قديم، وأن القرآن قديم، وهذا خطأ؛ فإن قصدنا به العلم؛ فهو أزلي قديم، ولكن هذا الكلام تكلمه الله -عز وجل- متى شاء وهو تبع للزمن وليس بقديم، أي أن الله -سبحانه وتعالى- أنزل القرآن منجَّمًا، وتكلم به إذن حسب وروده، فهو ليس بقديم، إنما عِلمُ الله -عز وجل- به قديم. ... أما إذا قلنا أن صفة الكلام قديمة؛ فهذا صحيح لأن الصفات ليست حادثة، فذات الله -عز وجل- أزلية قديمة فهو الأول، وكذلك صفاته أزلية.
-قلنا أن القرآن تنطبق عليه قاعدة أنه فيه ما هو قطعي الدلالة وفيه ما هو ظني الدلالة، بمعنى أن هناك ألفاظًا كالألفاظ المشتركة، والاشتراك غير العموم؛ الاشتراك أن يكون اللفظ شاملًا للأمرين عند الإطلاق، أما عند التعيين لا بد أن يكون حاملًا لأحد المعنيين دون الآخر، مثل كلمة (القُرْء) ؛ هل هو الطهر أم الحيض؟ ... تناظر الإمام الشافعي مع الإمام أبي عبيد القاسم بن سلّام في هذه المسألة، وكان الشافعي يقول: أن القرء هو الطهر وكان أبو عبيد القاسم بن سلام يقول أن القرء هو الحيض، فتناظرا فقام كل واحد منهما وقد أخذ بقول الآخر! فاقتنع أبو عبيد بقول الشافعي، وصار قول الشافعي أن القرء هو الحيض، وصار قول أبي عبيد أن القرء هو الطهر.
وهنا أريكم شيئا من تعصب المتأخرين: لما ساق السبكي هذه القصة؛ قال الماوردي:"فإذن يكون للشافعي في هذه المسألة قولين: قول قديم وقول جديد"؛ القول القديم أن القرء هو الطهر، والقول الجديد أن القرء هو الحيض، فبهذه القصة علمنا أن للشافعي قولين، فقال السبكي:"لا، -لاحظ التعصب- لا تدل على ذلك، فربما أراد الشافعي أن يتمثل دور المخالف وإنما هو على قول أن القرء هو الحيض ليرى ما هي حجج أبي عبيد، وفي النهاية الاثنان خرجا على قول الشافعي"، والشافعي لم يغير قوله. وهذا واضح حمل المسألة على غير صورتها! ... إذن قلنا أن كتاب الله فيه ما هو ظني الدلالة، وأعيد وأكرر: أن الظني هو القول الراجح بدليل مع احتمال وجود المرجوح، فالاحتمال قائم لم يُلغَ ولم يُقطع.