الأدلة الإجمالية
نحن نبحث في أصول الفقه في الدليل ومصدره، ونقول أن أدلة الفقه هي الكتاب والسنة، ولا نبحث عن أدلة أفراد مسائل الفقه بحيث نرجع إلى آية أو حديث بخصوصه.
وهنا مسألة مهمة جدًا أريد أن أقرأ لكم كلامًا لكثير من الأئمة فيها، وهو أن الكثير ممن يتكلم في أصول الفقه يقول أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ويعتبرون أن هذه الأدلة هي أدلة متفق عليها بين أهل السنة وبين أهل الحديث، ولكن الذي أعتقده أن هذا الإطلاق بهذه الطريقة هو إطلاق خطأ؛ وسبب ذلك أن الإجماع ليس دليلًا مستقلًّا وأن الذين يقولون بالقياس لم يقولوا أنه يُنشئ لله حكمًا، فهذه تدعونا أن نرجع المسألة إلى أصلها؛ وهو أن الأدلة في دين الله هي الكتاب والسنة فقط، ولكن قيمة الإجماع في هذه النقطة أنه يؤكد الحكم فلا يبقى مجالَ نظرٍ، فالحكم الثابت بالإجماع -اليقيني والقطعي والذي يقال له المعلوم من الدين بالضرورة- لا تجوز مخالفته، وأما الدليل الذي أوجب الله -عز وجل- علينا اتباعه فهو الكتاب والسنة، وكذلك لما قرأنا في كتاب (الرسالة) للشافعي جاء اعتماد السنة دليلًا بحسب ما أوجب الله علينا.
وهذه المسألة من مباحث الأصول وهي: قضية من الحاكم؟ والحاكم هو الله، ونعلم مراده عن طريق أمرين: الذي بينه بنفسه بكلامه، والذي بينه على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
القرآن:
فالنقطة الأولى: وهي قضية الكتاب، وأغلب أهل الأصول يذكرون تعريف الكتاب، ويتحدثون عن مسائل علم الكلام -ويسمونها أصول الدين-، ويحاولون تعريف ما هو كلام الله، وهذه المسألة قد استفرغنا الوسع والنَّفَس فيها في مكان آخر -في دورة الإيمان- فنمر عليها هنا مرورًا سريعًا: أن القرآن الكريم هو كلام الله الذي أنزله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- المتعبَّد بتلاوته المنقول تواترًا.
تعريف كلام الله
و"كلام الله"ردٌّ على من يقول أن القرآن مخلوق -وهم المعتزلة-، يقولون أن الله خلقه في نفسه كما خلق غيره، وأسباب نشوء هذه القضية عند المعتزلة تكلمنا عنها في الطحاوية، ولكن هنا ننبه إلى أن أغلب من كتب في علم الأصول هم إما معتزلة وإما أشاعرة، والمتلقَّى إنما هو من الأشاعرة فإنهم يعنون به: الكلام النفسي؛ فهم يقصدون أنه المعنى النفسي القائم بالذات، وأن هذا القرآن الذي بين أيدينا دال على كلام الله وليس بذاته هو كلام الله؛ فهو لم يتكلم هذا الكلام، إنما هو لفظ دال على كلامه، وأما كلام الله فهو معنًى نفسي قديم قائم بالذات؛ لأنهم لا يتصورون