الصفحة 16 من 166

لو كان كذلك؛ لكانت الخصومات تُحَل بالمناظرات ولَنُقلت إلينا هذه القواعد في المناظرات.

فدل على أنها موجودة في أذهان العلماء لكن على الصفة الأولى وليس بصفة البناء التي وصل إليها الشافعي، فقد كانت محصورة في أذهان الفقهاء والعلماء، فلا يظننَّ القارئ أو السامع أن هذه العلوم كانت مبتذلة لدى الناس، بحيث جاء الشافعي ولقط هذا المبتذل وسجله كتابةً، فهذا علمٌ غالٍ ونفيس، والناس يسعون إليه ويريدونه؛ لأنهم لا يستطيعون تحصيله بأنفسهم.

خامسًا: الشافعي لم يأخذ هذا العلم من أفواه الناس.

لأنه قد يكون هناك علمٌ موجود على ألسنة الناس، فيكون لك دور الرواية، ولك بهذا فضيلة عظيمة. لكن هل علم أصول الفقه الذي سجله الشافعي، لم يكن له فضيلة فيه سوى الرواية؟

لماذا تبارزتم يا أصحاب المذاهب، في نسبة هذا العلم إلى أئمتكم وزعمتم أنهم هم أول من كتب فيه؟ إذا كان مبتذلًا بهذه الطريقة التي تزعمون، فلماذا تتنافسون عليه؟

فأصول الفقه نشأ لضبط الصراع بين الفقهاء.

طبعًا، مسائل الفقه كانت منتشرة بين الناس، ودور الأئمة الأربعة كان في جمع مذاهب الناس في المسائل التي انتشرت والترجيح بينها، فالأقوال كانت موجودة في كل مسألة من مسائل الفقه، لكن كيف يرجح الفقيه؟ لا بد من وجود القواعد الأصولية.

كان هذا لبيان نشأة أصول الفقه وأهميته، وأنه قام بحل مشكلة كبيرة.

الآن نحن ندخل لمسألة عظيمة من مسائل أصول الفقه:

هل الكتب التي بين أيدينا في هذا العلم هي بنفس النَّفس الذي اعتمد عليه الإمام الشافعي، واعترف بعظمته أهل العلم من علماء السنة والحديث والفقه واللغة وغيرهم؟ هل بقي الأمر جاريًا تطويرًا لما قاله الشافعي؟

طبعا الشافعي -رحمه الله- لم يُقدِّم لنا الدواء كاملًا، ومن قال هذا فهو جاهل بتطور العلوم، فما مِن علم -إلى يومنا هذا- إلا وبحاجة إلى الزيادة وإلى حل المشاكل، لا يوجد علم إلا وفيه من المشكلات إلى يوم القيامة، وهذا من فضل الله علينا أن يُبقي من الفضل مغلوقًا حتى يأتي من يفتحه بعده. ولذلك صدق من قال:"كم ترك الأول للآخر"، فالشافعي -رحمه الله- لم يقدم كل الحلول لكل المشاكل في علم الأصول بل بقيت المشاكل الكبيرة التي بحاجة لمعالجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت