"سياسة"، وهذا تعطي انطباعًا أن الفقه ظني، فالقول فيه أمره سهل ما دام أنه ليس لله حكم في عين من الأعيان، إذن للناس أن يجتهدوا وأن يتوسعوا في هذا الباب، وهذا الذي نجد عند حكام العجم في هذه المسألة، ولو رأينا كل كتاب وحالته مع الحاكم الذي أُلف من أجله لرأيناه يجري هذا المجرى، وخاصة ما أشار إليه في كتاب (غياث الأمم) للجويني، فإن كتاب (الغياثي) يكاد يقول أن الحاكم المتغلب ينبغي ألا يُراجع في حكمه، تبريرًا لما يقع من الحاكم المتغلب في عصره.
هذه العلاقة ما بين إشارة ابن تيمية إلى قضية فساد مبعث ومنشأ تأليف الكتب وهذه المسألة هي علاقة من أجل فتح أبواب السياسات والرأي في الفقه، ما دام أن كل مجتهد مصيب!
إذن أسباب انتشار أن"الفقه ظني"أو أن"أصول الفقه ظنية":
-أولا: الداعي لانتشار هذا الفقه غلبة هؤلاء، وخاصة أن هؤلاء العجم يميلون لعلم الحكمة أي الفلسفة، فهم يعظمون شأن الكلام وأهله، فقضاتهم من المتكلمين، مثل عبد الجبار الهمذاني الذي كان قاضيًا، والماوردي كان قاضيًا وفيه اعتزال، فغلب على قضاة تلك الفترة الاعتزال، مما يدل على أن الحكام كانوا مولعين بمثل هذه العلوم (علوم الكلام) التي نشرها المعتزلة في بلادنا. ... إذن لغلبة الحكام وضعف الخلافة السنية، وضعف علماء السنة، وحيثما كان يأتي حاكم سني كان يُحدث انتشارا للسنة وانحسارا لعلم الكلام.
-ثانيًا: غلبة علم الكلام وانتشاره وتعظيمه؛ بحيث صار هو العلم الذي لا يقدح فيه إلا مُبطل، وصاروا يسمون القادح فيه"الحشوي"أي الذي لا يفهمه، وهي شتيمة لمن لا يقول بعلم الكلام. وذكر ذلك شيخ الإسلام عندما جعل المقابلة ما بين الفقه وما بين علم الكلام، فيجعلون أدلة الفقه ظنية وأدلة علم الكلام قطعية، وأشار مصرحًا لهم ببطلانهم، فلو كانت يقينية فلا يوجد عندهم مسألة واحدة من المسائل قد اتفقوا عليها.
-ثالثًا: هو تأليف كتب الخلافيات، لو رأينا هذه الفترة التي يشير إليها ابن تيمية في كتابة هذا الفقه لرأينا انتشار كتب الخلافيات؛ حيث يذهب كل عالم ويؤلف في المسائل التي اختلف فيها الأئمة، فلو قرأت كتابًا في الخلافيات لرأيته من بدايته لنهايته يتحدث بطريقة:"قولنا، قول خصومنا، قولنا، قول خصومنا"، فظهر للقارئ فيها أن هذا العلم لا يوجد شيء مقطوع به، فكل مسألة من مسائله قد وقع فيها الخلاف، فهو علم ظني، فلو كان من العلوم المقطوع بها لاتفقوا! ولذلك رد ابن تيمية عليهم كما رأينا في (الاستقامة) حيث ذكر أن الخلاف في مسائل يسيرة، وأن ما اتفقوا عليه كثير، وعلينا أن نرجع إلى فقه السلف لا إلى فقه المتأخرين الذين صاروا يُفرِّعون فروعًا في الفقه أصابوا أم أخطأوا فيها، من فروع النوازل التي لم تقع، وذكر الخلاف مما لا ينبغي كالخلاف الذي وقع بسبب الخطأ، ويذكرونها كمسألة قد تم فيها الخلاف وقد وقع فيها الفقيه بسبب الغلط.
فالذي أضعف الثقة بهذا العلم كثرة الخلاف وتأليف بعض العلماء كتبًا في هذه الخلافيات.