الصفحة 151 من 166

فكيف نقول أن الكتاب والسنة يفيدان اليقين والقطع؟

-أولًا: قلنا أن اليقين يعني القطع أو الجزم، وأن الظن منه الممدوح ومنه المذموم:

-فالممدوح هو ما أخذ بالراجح، فهو ظني ولكنه رُجح بدليل وقرينة مع بقاء المرجوح محتملًا، فلم يُنفَ البته، فهذا الظن لا تستقيم الحياة إلا بالأخذ به؛ فالأخذ بالظن الراجح يقع في كل الحياة، وفي كل الصناعات، فما من عمل يقوم المرء به إلا ويأخذ به بحيث يترجح لديه منفعة شيء أو صدق مقالة، صحة هذا الخبر.

-وأما الظن المذموم، فهو الظن الذي لم يؤخذ بدليل ولم تدل عليه القرائن، فهذا هو الظن الذي ذمه الشارع، أو هو ما أخذ فيه بالمرجوح مع ترك الراجح.

-وقلنا أن هناك مشكلة غلبت على الأصوليين من المتأخرين، وهي مقالة أن"أدلة الفقه ظنية"أو أن"الفقه بالأحكام الشرعية لمعرفة الحلال أو الحرام ظني"، ويجعلونه مقابل علم الكلام أو مقابل أصول الدين.

وقرأنا كلاما لشيخ الإسلام في كتابه (الاستقامة) أن السبب في انتشار هذه العبارة:

أولًا: أن كثيرًا من هذه الكتب قد أُلفت للحكام، وقد أشار إلى أن الرازي ألف كتبه من أجل الحاكم، وأن الجويني ألف (الغياثي) أو (النظامية) للحاكم؟ فلماذا ذكر ابن تيمية هذه القضية؟ وما هو الرابط بين هذه النقطة وبين الإشارة إلى أن هذه الكتب ألفت للحكام؟

ابن تيمية لم يذكرها فقط من أجل نزع الهيبة منها، هذا التفسير غير كافٍ؛ وذلك أنه لم تكن العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم كالتي هي موجودة الآن -أي علاقة السب والشتم أو علاقة التهمة-، فهنالك كتب كثيرة قد ألفت بطلب الحاكم، مثل (الموطأ) الذي ألفه الإمام مالك بطلب أبي جعفر المنصور -وقيل لغيره-، ولو رأينا كتب أبي عبيد القاسم بن سلّام لرأينا أن كتبه كانت تعطى للحكام ويأخذ عليها الهبات والجوائز، وخاصة علاقة أبي عبيد مع عبد الله بن الطاهر وهو حاكم خراسان، وكذلك عندما ألف الإمام الشافعي (الرسالة) إنما حُملت لحاكم خراسان.

فتقدمة الكتاب للحاكم أو طلب الحاكم من العالم كتابًا، هذه كمسألة مجردة لا شيء فيها، ولكن تصبح مشكلة فقط إذا كان الحاكم صاحب اعتقاد فكتب العالم كتابًا يوافق اعتقاده على غير ما يعتقده هذا العالم.

الآن لو رأينا هذه الكتب التي أشار إليها شيخ الإسلام، إنما ألفت في زمن غلبة الحكام الذين هم من العجم، والأغلب فيهم أنهم لا يقدرون السنة حق قدرها إنما لهم تقدير عظيم لعلم الكلام، ومن هنا تأتي النقطة التي يشير إليها شيخ الإسلام في بعض فتاويه، ويشير لها ابن القيم كذلك في (الطرق الحكمية) ؛ أن هؤلاء الحكام أحدثوا أحكامًا وأحدثوا تشريعاتٍ على خلاف الشرع سموها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت