الظن ضد ما هو علم، فالآية الأولى مع فَقْد العلم فقال بالظن فهذا مذموم، والظن هنا في الآية نقيض العلم؛ أي أن يقول بقول مع وجود العلم المخالف له، فهذا الظن المذموم إما ظنٌ عند فقد العلم، أو ظنٌ عند وجود العلم ومخالفته.
" {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [يونس/36] ، {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام/148] :"
الخَرْص: محاولة إصابة الشيء من غير أدلة، {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام/149] ؛ هنا بمعنى تكذيبهم {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام/143] ، {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام/119] ففي هذه الآيات ذمٌ لمن عمل بغير علم وعمل بالظن":"
عمل بالظن المناقض للعلم الواصل إليه.
"أما اتباع الظن المستند إلى علم ..":
يمكن لشخص أن يعمل بحديث ويزعم أنه حديث آحاد ظني، فهل عمل بعلم أم أنه عمل عند فقد العلم وعمل ضد العلم؟ عمل بعلم، لكن حصول الاطمئنان لديه ليست درجةً يقينيةً إنما هي درجةٌ من درجات الاطمئنان.
"إذ أن اتباع الظن المستند إلى علم اتباعٌ للعلم لا للظن؛ لأن ترجيح ظنٍ على ظنٍ لا بد له من دليل، فيكون ترجيحه مستندًا إلى علمٍ ودليل، فاتباعه لهذا الظن الراجح اتباع لما عُلم رجحانه فيكون متبعًا للعلم لا للظن وهو اتباع الأحسن، -لأنه إذا كان أحد الدليلين هو الراجح فاتباعه هو الأحسن، وهذا معلوم، فلما أخذ بقولٍ اتّبع الراجح، إذن هو اتبع العلم ولم يتبع الظن-، قال تعالى: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف/145] ، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر/18] ، {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر/55] ."
العمل بالعلم نوعان؛ أي هل يجب عليك أن تعمل بالعلم؟
يقول في [المجلد الثالث عشر] :
"فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الظَّنَّ لَهُ أَدِلَّةٌ تَقْتَضِيهِ -الظن الحاصل بالعلم-، وَأَنَّ الْعَالِمَ إنَّمَا يَعْلَمُ بِمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِالرُّجْحَانِ لَا بِنَفْسِ الظَّنِّ إلَّا إذا عَلِمَ رُجْحَانَهُ، وَأَمَّا الظَّنُّ الَّذِي لَا يُعْلَمُ رُجْحَانُهُ فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ بِهِ مَنْ قَالَ فِيهِ: {إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ} فَهُمْ لَا يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ"