ثم يرد على: أن هناك مسائل ثبتت عن طريق القياس، والقياس ظني، فيقول:
"لَكِن من الزَّنَادِقَة الصابئة المتفلسفة كالسهروردى الْحلَبِي الْمَقْتُول وَغَيره من يظنّ ذَلِك هُوَ الْقِيَامَة الَّتِي وصفهَا الله فِي الْقُرْآن وَيجْعَل هَذَا اللَّفْظ من كَلَام رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، وَإذا كَانَ بِسَبَب تَقْلِيد كثير من الْفُقَهَاء لأئمتهم واتباعهم الظَّن اشْتبهَ مَا يُمكن علمه وَمَا هُوَ مَعْلُوم لفقهاء الدّين وعلماء الشَّرِيعَة بِغَيْرِهِ، فَكَذَلِك نفس الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين لَا ريب أَنه قد يكون عِنْد أحدهم مَا هُوَ مظنون بل مَجْهُول وما َهُوَ مَعْلُوم للْآخر، إِمَّا مُوَافقًا لَهُ وَإِمَّا مُخَالفًا فِيهَا أَكثر الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة الَّتِي لَا يعرف حكمهَا كثيرٌ من الْأَئِمَّة أو يتَكَلَّم فِيهَا بِنَوْع من الظَّن مُصيبًا أو مخطئا، وَتَكون مَعْلُومَةً لغيره بأدلةٍ قَطْعِيَّةٍ وَعند من علمه كعلمه، تَارَةً بِنَصّ اخْتصَّ بِسَمَاعِهِ من الرَّسُول أو من غَيره وَحصل لَهُ بذلك الْعلم لأسباب كَثِيرَة فِي النَّقْل، وَهَذَا كثير مَا يكون لعلماء الحَدِيث فَإِنَّهُم يعلمُونَ من النُّصُوص ويقطعون مِنْهَا بأَشْيَاء كَثِيرَةٍ جدًا، وَغَيرهم قد يُكذِّب بهَا أو يجْزم بكذبها -دع من يجهلها أو يشك فِيهَا-."
وَتارَةً بفهم النُّصُوص وَمَعْرِفَة دلالتها، فَمَا أَكثر من يجهل معنى النَّص أو يشك فِيهِ أو يفهم مِنْهُ نقيضه، أو يذهل عَنهُ أو يعجز ذهنه عَن دَرْكه، وَيكون الآخر قد فهم من ذَلِك النَّص وَعلم مِنْهُ مَا يقطع بِهِ.
وَتارَةً بِإِجْمَاعٍ عَلِمه من إجماعات الصَّحَابَة وَغَيرهَا، ثمَّ بعد ذَلِك تَارَة بِقِيَاسٍ قطعي، فَإِن الْقيَاس نَوْعَانِ: قطعي وظني، كَمَا فِي الْقيَاس الَّذِي هُوَ فِي معنى الأَصْل قطعًا بِحَيْثُ لَا يكون بَينهمَا فرقٌ تأتي بِهِ الشَّرِيعَة أو يكون أَوْلى بالحكم مِنْهُ قطعًا.
وَتارَةً بتحقيق المناط، وَهَكذَا""
الآن، الظني والقطعي؛ رأينا الأثر السيء لكلمة الظن في نفوس طلبة العلم وفي نفوس الناس.
يقول هنا:"اتباعُ الظن قد يكون مذمومًا وقد يكون حسنًا؛ ذلك أن اتباع الظن المجرد الخالي من العلم هو الذي ورد في القرآن الكريم ذمه، كقوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء/157] ":
فالظن هنا جعله مقابل فقدان العلم، فحصل الظن عند فقدان العلم، فهذا ظنٌ مذمومٌ أن يقول الرجل بشيءٍ لا علم له فيه، فقد العلم.
" {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم/23] ":