الصفحة 145 من 166

أَن الْعلم بهَا حَاصِلٌ لكل أحْد، بل وَلَا لغالب المُتفقِّهة المُقلِّدين لأئمتهم، بل هَؤُلَاءِ غَالب مَا عِنْدهم ظنٌ أو تَقْلِيد"."

يكفينا إلى هنا في هذه النقطة، والكلام طويل ينبغي أن تقرؤوه، وهو شرحٌ لما تقدَّم من قولهم: أن أحكام الفقه ظنية، والتي أدت نتائجها إلى ما ترون، أدت إلى الزندقة كما يقول.

وبعد ذلك يُطيل في ذكر المسائل التي اختلفوا عليها، والمسائل التي أجمعوا عليها، ويذكر بقراءةٍ استقرائيةٍ المسائل التي اتفق عليها الأئمة، والمسائل التي حصل فيها الاختلاف.

وهنا الكلمة التي قلتها لكم: أن هناك من المسائل ما صار فيها الخلاف بعد القرون الأولى، حتى أن هذا الخلاف هو الذي استقر وانتشر وصارت السُّنة هي الغريبة، كما في مسائل العقائد؛ صار التأويل هو الأصل وصار المُثبِت هو المشبِّه.

يقول شيخ الإسلام:"وَلِهَذَا كَانَ ظُهُور هَذَا القَوْل -التشبيه والقول بالتأويل- مَعَ ظُهُور مسَائِل الْخلاف هَذِه وَذَلِكَ مَعَ ظُهُور بدع كَثِيرَة وَتغَير أُمُور الْإِسْلَام وَضعف الْخلَافَة حَتَّى استولى عَلَيْهَا الديالم -أي العجم-، وَظهر حِينَئِذٍ من مَذْهَب القرامطة والباطنية والرافضة والمعتزلة مَا عَمَّ أَكثر الأَرْض، وَأُخذ من الْمُسلمين كثيرٌ من ثغورهم الشامية وَغَيرهَا، وانتشرت حِينَئِذٍ بدع متكلمة الصفاتية وَغَيرهم وَصَارَ هَذَا الْفِقْه من بَاب اتِّبَاع الظَّن وَمَا تهوى الأنفس، وَكَذَلِكَ مَال كثير من طلاب الْعلم إلى مَا يَظُنُّونَهُ علمًا غير الْفِقْه إِمَّا الْكَلَام وَإِمَّا الفلسفة، فَإِن النَّفس تطلب مَا هُوَ علم وتنفر مِمَّا هُوَ شكّ وَظن وَهَذَا مَحْمُود مِنْهَا"

هذه هي النتيجة النفسيَّة؛ لما استقر في نفوسهم أن أحكام الفقه ظنيّةٌ وأن دلالة الكتاب والسنة على المراد ليست دلالةً علميةً يقينيةً، فالناس نفروا من هذا الذي لا يسمى علمًا وتوجهوا إلى ما صار يسمى علمًا،"فَإِن النَّفس تطلب مَا هُوَ علم وتنفر مِمَّا هُوَ شكّ وَظن وَهَذَا مَحْمُود مِنْهَا"، وهذا موجودٌ في هذا العصر من انتشار الناس لما يسمى علم وتركهم لما يسمونه ظنًا، ما دام كله خلاف ويقال له: اختلف الفقهاء، ولا يبحث في الأدلة ليرى فيها حكم الله، هذه هي النتيجة.

"وَكَانَ من سَبَب هَذَا أَنهم تفقّهوا لغير الدّين وَذَلِكَ مِمَّا ذُموا عَلَيْهِ كَمَا جَاءَ ذَلِك فِي حَدِيث النَّبِي -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم-: (إذا اتُخذ المَال دُوَلًا وَالْأَمَانَة مَغنمًا وَالزَّكَاة مَغرمًا وتُفُقِّه لغير الدّين، وأطاع الرجل امْرَأَته وعقّ أمهِ وَأدنى صديقته وأقصى أَبَاهُ، وَرُفعت الْأَصْوَات فِي الْمَسَاجِد، وَأُكْرم الرجل مَخَافَة شَره وساد الْقَبِيلَة فاسقها وَكَانَ زعيم الْقَوْم أرذلهم، فلينتظروا عِنْد ذَلِك ريحًا حَمْرَاء وفتنًا تتَابع كنظامٍ بَالٍ قُطع سِلْكه فتتابع) . [الحديث في سنن الترمذي وفي غيره وضعفه بعضهم] ."

وَكَانَ هَذَا مَا هُوَ من أَشْرَاط السَّاعَة الْوُسْطَى من ظُهُور الْجَهْل وَرفع الْعلم وَكَثْرَة الزِّنَا"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت