قلتُ: الْمُجْتَهد إذا غلب على ظَنّه مُشَاركَة صُورَةٍ لصورة فِي منَاط الحكم قَطَع بِوُجُوب الْعلم بِمَا أدّى إِلَيْهِ ظَنّه، فالعلم حَاصِل قطعًا وَالظَّن وَاقعٌ فِي طَرِيقه":"
فهو يتكلم عن الوسيلة ويقول ألغي الوسيلة، الوسيلة ظنية ولكن حصّلت الصورة في داخل القلب، فالعمل بالصورة ودَعْك من الطريقة وإن حصل فيها الظن، وهذا مثل طرق أهل الزندقة في الرد على الشيوخ، كقول فرج فودة، كيف أبطل الشريعة؟ قال لهم في المناظرة: دلوني على الإسلام الصحيح؛ الإسلام الذي أيد استقدام الأمريكان، أم الإٍسلام الذي أيد استقدام صدام للكويت؟ عندما تقولون: نريد تطبيق الشريعة أي شريعة وأي إسلام تريدونه؟
"وقد ظن طائفةٌ من الفقهاء الناظرين في أصول الفقه أن هذا الجواب ضعيفٌ والظن واقعٌ في طريقه":
وبدأ يتكلم عن هذه النقطة وأراد أن يبطل قولهم في أول مسألةٍ ذكروها في أصول الفقه.
وفي نهاية كلامه يقول:"وَالْمَقْصُود هُنَا ذكر أصلين هما بَيَان فَسَاد قَوْلهم الْفِقْه من بَاب الظنون، وَبَيَان أَنه أَحَق باسم الْعلم من الْكَلَام الَّذِي يدَّعونَ أَنه علم، وَأَن طرق الْفِقْه أحق بِأَن تسمى أَدِلَّةً من طرق الْكَلَام."
وَالْأَصْل الثَّانِي: بَيَان أَن غَالب مَا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ من الْأصول لَيْسَ بِعلمٍ وَلَا ظن صَحِيح بل ظن فَاسد وَجَهل مركب.
وَيَتَرَتَّب على هذَيْن الْأَصْلَيْنِ منع التَّكْفِير باختلافهم فِي مسائلهم":"
ما دام اختلافهم في مسائل ليست هي من العلم، ولا من الظن الصحيح، فليختلفوا ولا ينبغي أن يكفِّر بعضهم بعضًا لأنهم اختلفوا في شيءٍ من الجهالات وليس بشيءٍ من العلم.
"وَأَن التكفير فِي الْأُمُور العمليّة الْفِقْهِيَّة قد يكون أَوْلى مِنْهُ فِي مسائلهم، فَنَقُول الْفِقْه هُوَ معرفَة أَحْكَام أَفعَال الْعباد سَوَاء كَانَت تِلْكَ الْمعرفَة علما أو ظنا أو نَحْو ذَلِك."
وَمن الْمَعْلُوم لمن تدبر الشَّرِيعَة أَن أَحْكَام عَامَّة أفعال الْعباد مَعْلُومَةٌ لَا مظنونة، وَأَن الظَّن فِيهَا إِنَّمَا هُوَ قَلِيلٌ جدًا فِي بعض الْحَوَادِث لبَعض الْمُجْتَهدين"."
فقولهم: أن الأحكام الشرعية مبنيةٌ على الظن كلامٌ مردود؛ حصول الاختلاف ليس بسبب ظنيّتها بل له أسبابٌ معيّنة، وليس السبب الوحيد حصول الظن فيها، مثل جهل العالم بالنص وغير ذلك.
"فَأَما غَالب الْأَفْعَال مَفادُها وأحدَاثُها فغالب أحكامها مَعْلُومَةٌ -وَللَّه الْحَمد-، وأعني بِكَوْنِهَا معلومةً أَنّ الْعلم بهَا مُمكن، وَهُوَ حَاصِلٌ لمن اجْتهد وَاسْتدلَّ بالأدلة الشَّرْعِيَّة عَلَيْهَا، لَا أعني"