إذن؛ بماذا تميز هذا المتكلم البليغ البياني؟ الجواب: أول مزية له، وأول خصيصة من خصائصه؛ أنه أخذ الفكرة واقتنصها، شاعت في ذهنه، الجاهل جاءت عنده ثم ذهبت، فبعد مدة طبعا تبلد نفسه وتتبلد من توليد المعاني.
ففي النهاية؛ هو اقتنص المعنى الموجود في نفسه، لكنه لم يُبقه على حالته الأولى بل بدأ يطوره ويولد المعاني منه، ويُنشئ عليه القواعد ويصقلها، وهذه مرتبة عظيمة: أنه أخذ الفكرة وطورها حتى صارت واضحة في نفسه.
وطبعا في مسائل أصول الفقه معنى"طورها"أنه عرضها على قواعد اللغة، على فقه الصحابة، على قواعد العقل، عرضها على فكر المخالف: مرت في كل هذه الأطوار حتى صارت واضحة في نفسه. ولا يمكن أن نجزم أنها واضحة في نفسه إلا بعد أن تخرج منه فتَبين بوضوح، كما ذكر كثير من أهل البيان، وكما ذكر عبد القاهر الجرجاني وغيره.
فالجرجاني يقول أن الذي يفرق بين بياني وبياني آخر، وبين بلاغي وبلاغي آخر، هو وضوح المسألة في نفسه؛ من هنا يقال: هذا عالم وهذا أعلم منه، أو: هذا شاعر وهذا أشعر منه؛ وهذا التفضيل جاء بسبب:
-أولًا: كثرة المعاني المتولدة.
-ثانيًا: وضوح المعاني؛ فيذكر المعاني من غير تلغيز، يذكرها بوضوح وإبانة.
ولذلك كان يُمدح الرجل في زمانهم بوضوح الفكرة في بيانه وفي لغته؛ لأنه كان لدى أغلب الأوائل القدرة على الإبانة، فكان تمايزهم إذن في وضوح المعنى في داخل نفوسهم.
إذن المزية الأولى للشافعي هي أنه عالم في اقتناص هذا العلم دون بقية الناس.
وإلا؛ فالناس يعانون من هذه المشاكل قبل الشافعي، ولم يظهر أحد وضع قاعدة أو مجرد ورقات لحل المشكلة.
والشافعي؛ من أين أتى بالقواعد التي وضعها لحل المشاكل؟
-أول شيء: من لغة العرب. طبعا هو من أعلم الناس بشعر هذيل، الزبير ابن بكار يقول:"أخذتُ شعر الهذليين من عمي وعمي أخذه من الشافعي!"، كبار أهل العلم يقولون أن