الصفحة 13 من 166

واضع هذا العلم:

هناك من يقول أن علم أصول الفقه كان موجودًا وما كان للشافعي إلا دور التدوين له.

نقول: علم أصول الفقه، أو أخذ الحكم الشرعي من الدليل، كانت عند الصحابة واضحة، ولم تكن بالوضوح نفسه عند كل الصحابة، يعني أن بعض الصحابة كان لديهم درجة في كيفية التعامل مع النصوص والاستنباط، والتوفيق بين المتعارضات، معرفة الناسخ والمنسوخ في أذهانهم، ولكنها لم تكن على مرتبة واحدة، هذه نقطة.

لكن هل كانت موجودة بمعنى أن الشافعي لا دور له، وهو فقط دَوَّن ما كان موجودا؟

الجواب يحتاج إلى عدة نقاط، ولكن سأقتصر على ما له فائدة وما هو أهم.

مِن ميزات الشافعي ومن خصائصه:

أولًا: أنه اقتنص الفكرة.

أن يكتب الرجل شيئًا فهذه فضيلة، طبعا ليس كل كتابة، هناك كتابة تكون مُلغجة، غير مفهومة، وتظهر من خلالها جهالات النفس وعدم الوضوح، وهذا معروف في كلام الناس، فوضوح المسألة من عدمه في نفس الرجل يظهر من خلال كتابته.

وهذا مهم في بيان فضل المتكلم، وفضل البياني، والشاعر، والأديب، والكاتب، وهي مرتبة عظيمة تحدد الرجل: أنه جاء إلى المسألة فاقتنصها. هي فضيلة أن يقتنص الرجل الفكرة، وأن يأخذها ويخرجها من حالتها البدائية الأولى التي خطرت بها في ذهنه، فيُنَميها ويجليها. والمعاني تنتشر وتتحرك في النفس.

فالآن القواعد المكتشفة من قبل علماء الجيولوجيا والفيزياء قد تكون نشأت بالتأمل، وقد تكون نشأت بالدراسة؛ ولكنها ربما نشأت كأي فكرة. فالأفكار كلها، سواء المدونة من معاني النفس، أو المسائل العلمية، أو استخراج الحكم من آية أو من حديث، هذه تتوارد على النفوس وقد ترِد على نفس الجاهل، وقد ترد ويقرؤها الجاهل ويسمعها ويقول: أنا أعرفها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت