-أولًا: يثبت الحديث؛ لأن هناك من يرد الحديث من طرق خاصة به، كأن يقول:"هذا الراوي ليس فقيهًا"، فالإمام يرد عليه، ويضع قاعدة وهي أن الراوي وإن خالف روايته بفتواه، فنحن لنا روايته، وهو له فقهه. هل ألزمنا الله بأخذ فقه الراوي أو أخذ روايته؟ الجواب: نأخذ روايته؛ فالقواعد التي يضع هي قواعد علمية، ويستدل بها من جهة العقل ومن جهة الدليل: فهو وضع قواعد بأدلتها، وأثبت الحديث.
-ثانيًا: جاء وبيَّن أن دخول هذا الحديث على هذه الآية ليس مناقضًا له، فالآية تقول: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ} ، وهي ليست فيمن يشرع بالسلام، الشافعي قال -وهنا تظهر عظمته-:"حتى لو هذا العام في دلالته على أفراده عام، وجاء الخاص؛ فإن الخاص يدخل على العام ولا يعد هذا إبطالًا له من جهة اللغة، لأن هذا هو أسلوب العرب في التعامل بينهم". فهو احتج بكلام العرب على أن دخول الخاص على العام لا يُعد إبطالًا للعام، بل هو شيء جائز في لغة العرب؛ لأن العام أضعف من الخاص، والخاص -في مسألة بعينها- قطعًا أقوى من العام في دلالته على كل أفراده. واحتجاجه بهذا ليس فقط من جهة عقلية، ولكنه احتج عليهم بلغة العرب التي نزل القرآن بها، فوضع القواعد وحل المشكلة.
إذن الشافعي -رحمه الله- هو من كتب علم أصول الفقه.
وهنا مسألة يجب أن ننتبه لها، وهي أن:
تدوين العلوم هو إنتاج حاجة الواقع.
القواعد المقررة لدى الأوائل موجودة، لكن لماذا اهتم الناس بجمع أشعار العرب؟ الجواب: لدخول العجمة، فجاؤوا وحفظوا اللغة، إذن أنتجها الواقع. لماذا اهتموا بالرجال، ولم يهتموا ب:"قال رسول الله"؟ الجواب: لدخول الكذب.
فتدوين العلوم داخل المجتمع الإنساني هو إفراز لحاجات الواقع، وهذا تأكيدًا لقوله -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} ، ومن تفسيراتها أن وجود الأعداء دليل لنصرة الله لهذا الدين، فلولا وجود هذه المشاكل، ما نتجت هذه العلوم. تصوروا أن كل هذه العلوم التي ورثها وخرج بها أهل الإسلام هي نتاج المشكلة ونتاج الصراع، بل كثير من الأحكام لم تنتج إلا بسبب صراع الواقع حتى بعد ذلك.
إذن لماذا دوَّن أئمتنا علم الأصول؟ سؤال سهل صعب، وسأرد عليه بتفصيل، لكن بعد هذه النقطة: