إذن، هذه خصومة نشأت في داخل المجتمع الإسلامي وأنتجت شعارات تُركت في بعض الأمور، ولما تطورت أنتجت حروبًا! فمدرسة أهل الكوفة ومدرسة أهل المدينة بينهم شعارات: يأتي الإمام مالك ليقول:"حديث أهل العراق بمنزلة أهل الكتاب لا نصدقه ولا نكذبه"، وكانوا يجلسون في مناظرات أمام بعضهم البعض، ويعرق الواحد منهم، والعوام ينظرون ويتساءلون، فتنشأ الشعارات والمشاكل.
من هنا كان لا بد من تسجيل القواعد التي يُرجع إليها في حل الخصومات في هذه المسألة، فخرج الإمام الشافعي ليحل الإشكال المتلاطم العظيم ما بين هذه المدارس -مدرسة أهل الفقه والرأي-، وانتصر للحق، انتصر لأهل الحديث؛ لكنه أعطى بعدًا جديدًا له، وهو البعد الذي كان ينقص أهل الحديث في مقابل أهل الرأي، وهو قضية حجة الحديث من جهة معناه على المخالف في المعنى الذي يحتج به. ما هو المعنى الذي يحتج به المخالف؟ هو القياس، هو العقل، هو الدليل، هو تطوير العلة، هو فهمه وإدراكه؛ فهو أعطى للحديث هذا البعد، ووضع القواعد ليحل المشكلة.
ولهذا شَكره أهل العلم شكرًا عظيمًا واعترفوا له بهذا الفضل، ومن ذلك قوله الشافعي -عليه رحمة الله-:"سميت في بغداد بناصر الحديث"، ومعنى ناصر الحديث: أن الحديث الذي يحتج به أهل الحديث ولا يدرونه إلا من جهة التسليم، هو كشفَ عن معانيه التي يجهلها أصحابه، ويرفضها أهل المخالفة، فقال الإمام أحمد -عليه رحمة الله-:"كنا في الخصومة مع أهل الرأي حتى جاء الشافعي ووفق بيننا".
طبعًا،"وفق بيننا"هنا تحتاج وقفة، حتى لا يُظن أنه جاء ومزج الطريقتين؛ فالشافعي -رحمه الله- لم يأخذ شيئًا من أهل الرأي، -وليس معنى هذا أن فقههم باطل، لكن قواعدهم في البحث غير مقبولة تماما-، فأعطى للحديث البعد الذي فُقد عند أهله -وهو بعد الاطلاع والبحث- من أجل أن يصبح حجة بالطريقة التي يحتج بها المخالف؛ فإذا جاء أحد أصحاب الرأي وقال:"هذا حديث على خلاف القياس، هذا حديث مخالف للآية"؛ يقول له: القواعد هكذا وهذه ليست مخالفة، إنما هي إدخال شيء مع شيء يحتمله الشيء.
الآن؛ عندما تأتي آية عظيمة وعامة في دلالتها على أفرادها: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} ، هذه عامة، ف"حييتم بتحية"، يمكن أن يأتي أحد ويحتج بها على جواز أن يبتدئ المسلم الكافر بالسلام، ويأتي صاحب الحديث فيحتج بحديثه، فيرد عليه: كيف تحتج على آية واضحة بدلالتها بحديث فيه كذا وكذا؟
فالإمام الشافعي يُبين مراتب: