والحقيقة أن هذا الكلام مبالغ فيه ، إذ يجب أن نفرق بين سيف بن عمر باعتباره محدثًا من جهة وباعتباره إخباريًا من جهة أخرى ، فالطعن فيه من جهة الحديث وهو أمر صحيح لا ينسحب بالضرورة على الأخبار التي يرويها .
أثنى الحفاظ على سيف بالخبرة والمعرفة في التاريخ ، فقال الحافظ الذهبي: كان إخباريًا عارفًا [34] ، وقال الحافظ ابن حجر: ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ [35] .
على أن الحافظ ابن حجر لم يرض باتهامه بالزندقة وقال: أفحش ابن حبان القول فيه [36] .
ولسنا ندري كيف يصح اتهامه بذلك وروايته في الفتنة وحديثه جرى بين الصحابة رضوان الله عليهم أبعد ما يكون عن أسلوب الزنادقة ، وكيف يستقيم اتهامه بالزندقة وهو الذي فضح وهتك سر الزنادقة !
ويمكن القول: إن رواية سيف بعيدة كل البعد أن تضعه موضع هذه التهمة ، بل هي تستبعد ذلك ، إذ إن موقفه فيها هو موقف رجال السلف في احترامه للصحابة وتنزيهه لهم عن فعل القبيح ، فقد انتحى جانبًا عن أبي مخنف والواقدي فعرض تسلسلًا تاريخيًا ليس فيه تهمة للصحابة ، بل يُظْهِر منه حرصهم على الإصلاح وجمع الكلمة ، وهو الحق الذي تطمئن إليه النفوس ، إذ يسير في اتجاه الروايات الصحيحة عند المحدثين .
وإذا كان المحدثون يتساهلون في الرواية عن الضعفاء إن كانت روايتهم تؤيد أحاديث صحيحة موثقة ، فلا بأس إذن من الأخذ بهذا الجانب في التاريخ وجعله معيارًا ومقياسًا إلى تحري الحقائق التاريخية ومعرفتها ، ومن هذا المنطلق تتخذ الأخبار الصحيحة قاعدة يقاس عليها ما ورد عند الإخباريين مثل سيف والواقدي وأبي مخنف ، فما اتفق معها مما أورده هؤلاء تلقيناه بالقبول ، وما خالفها تركناه ونبذناه .
ومما لا شك فيه أن روايات سيف في أغلبها مرشحة لهذه المعاني ، إذ تتفق وتنسجم مع الروايات الصحيحة المروية عن الثقات فيما يتعلق بوجود ابن سبأ علاوة على أنها صادرة ومأخوذة عمن شاهد تلك الحوادث أو كان قريبًا منها .