وبعد أن لحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى تولى زمام الأمور من بعده أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان أحق الصحابة بهذا الأمر وأفضلهم وأعلمهم وأحلمهم وأحكمهم وأقواهم على تحمل أمر الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وآله وسلم فها هو ذا يزيل الشبهة عن العيون والضلالة عن القلوب بعد أن اختلف الناس في موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عدمه، حتى إن كبار الصحابة وعلى رأسهم عمر رضي الله عنه، هالهم ذلك الحدث وثقلت عليهم وطأته، فلم يصدقوا في بداية الأمر بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكادت تحدث فتنة لولا عناية الله ثم تدخل الصديق الذي حسم القضية وفك النزاع، وقام خطيبا في الصحابة في موقف عصيب جدا: >أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت< ويذكرهم بقول الله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} (3) .
قال أبو هريرة رضي الله عنه: (فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ) (1) .
خلافة أبي بكر رضي الله عنه:
وتتجلى جدارة أبي بكر وأهليته في تحمل أمر الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أجمع الصحابة على بيعته بعد نبيهم - وما كان لهم أن يختلفوا فيه - فبايعوه بالخلافة وارتضوه إماما وقائدا لهم والتفوا حوله مؤازرين ومناصرين. فسلك بهم سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقارب وسدد واتبع ولم يبتدع، وكان من أشد الناس تمسكا بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولهذا لما حدثت فتنة الردة جيّش الجيوش وأمر بقتال المرتدين وقال لعمر لما راجعه في قتال مانعي الزكاة >والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم على منعه