الصفحة 57 من 84

وأما قوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاتِه} [1] [37ب] فليست (حيث) ظرفًا لـ (أعلم) لفساد المعنى، ولا مجرورًا؛ لأن (أفعل) لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه؛ فتعين أن يكون منصوبًا بفعل آخر مضمر يدل عليه (أعلم) [2] .

الثالثة: اخْتُلِفَ في بناء هذا القسم هل ينقاس؟ فالأكثرون على أنه لا ينقاس، وذهب المبرد في الكامل [3] ، وتبعه ابن الدهان في الغرة إلى أنه منقاس.

ومنها [4] : النكرة مع (لا) ، نحو: (لا رَجُلَ) فإن حركتها للبناء على الأصح [5] ، خلافًا للزجاج، والجرمي، والسيرافي، والرماني، وغيرهم [6] .

وجوابه: أنه اختلف في علة بنائه على أقوال:

أحدها: أنها بنيت لتضمنها معنى الحرف، ثم اختلفوا، فقيل: تضمنها معنى اللام المفيدة لاستغراق الجنس. ورد بأنه لو كان كذلك لكان معرفة، ونُعِتَ بها، كقولك: (أمس الدابر) . وقيل: بل معنى (مِنْ) الاستغراقية [7] ؛ وذلك لأن أصل: (لا رجل عندي) : (لا مِنْ رجل) ؛ لأنه جواب من يقول: (هل من رجل عندك؟) على سبيل إثبات [8] واحد من جميع الأفراد التي يَصْدُق عليها أنه رجل؛ فيجب أن يكون الجواب بحرف الاستغراق الذي هو (مِنْ) ليكون مطابقًا للسؤال ومتضمنًا لنفي ما سأله. ويدل على أن الأصل ذلك، وجهان:

أحدهما: ظهوره في بعض المواضع، كقول الحماسي [9] :

(1) سورة الأنعام من آية 124. وفي النسختين: (رسالاته) وهي قراءة نافع، والكسائي وأبي عمرو، وابن عامر، وقرأ الباقون بالإفراد، انظر: السبعة 246، والنشر 2/ 253.

(2) انظر: الشعر 1/ 179 - 180، والدر المصون 5/ 137.

(3) الكامل للمبرد 1/ 185 - 186.

(4) أي: ومن هذه المبنيات التي تركها ابن مالك مع أنه ليس فيها شىء من هذه العلل التي ذكرها.

(5) وهو مذهب الأخفش، والمازني، والمبرد، والفارسي، وأكثر البصريين، انظر: معاني القرآن للأخفش 1/ 174، والمقتضب 4/ 360، والأصول 1/ 461 - 462، واللامات 104 - 109، والمسائل المنثورة 84 - 85، والمسائل العسكريات 244 - 245، والإيضاح العضدي 239، والمقتصد 2/ 799، وشرح التسهيل لابن مالك 2/ 58، وشرح ابن القواس 2/ 937 - 940، والجني الداني 291.

(6) وهو مذهب الكوفيين أيضًا، انظر: شرح السيرافي 4/ 4 - 6 [د] ومعاني الحروف 81، والتسهيل 67، وشرح الكافية للرضى 2/ 155، وشرح ابن القواس 2/ 937 - 940، والارتشاف 3/ 1296، والمغنى 3/ 286 - 287. وكلام سيبويه يحتمل الأمرين؛ لأنه قال:"تعمل (لا) فيما تنصبه بغير تنوين. وترك التنوين لازم، لأنها مع ما بعدها كـ (خمسة عشر) ، فذكْر النصب يدل على الإعراب؛ لأنه لقب يختص به في الأعرف، وذكْر (خمسة عشر) يدل على البناء [انظر: الكتاب 2/ 274، وشرح ابن القواس 2/ 938] ."

(7) انظر: شرح ابن القواس على ألفية ابن معط 2/ 938، والارتشاف 3/ 1296، وتخليص الشواهد 396.

(8) في (ب) : اثنان.

(9) البيت من البسيط لأبي دهبل الجمحي توفي سنة 63هـ من قصيدة مطلعها:

ماذا رزئنا غداة النحل من رمع ... عند التفرق من خير ومن كرم

ويروى: (لا نعاك واحدة) . و (أسديت) بدل (أوليت) ، و (كيف أنساك) أي: (لا أنساك) وفيه التفات. والمعنى: وكيف أنساك بعد ما أنعمت عليَّ بهذه النعم العديدة التي لم يتقادم عهدها، انظر البيت في الحماسة لأبي تمام 2/ 268.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت