الصفحة 58 من 84

وكيف أنساك لا أيديك واحدةٌ عندي ولا بالذي أَوْلَيْتَ من قِدَمِ

الثاني: أن (مِنْ) تزاد [38ب] مع النكرة التي في مساق [1] النفي كثيرًا، كقوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [2] ، والمعنى الذي ضُمِّنَتْه النكرة هو العموم [3] ؛ لأن قولك: (لا رجل في الدار) نفي عام، ولهذا لا يعطف عليه بما يناقضه، لا نقول: (بل رجلان) .

وهذا القول صححه جماعة منهم ابن عصفور [لا] [4] على العلة الآتية التركيبية، قال:"لأن ما بُنى لتضمنه معنى الحرف أكثر من الذي بنى لتركبه مع الحرف" [5] .

واعترض عليه ابن الضائع [6] بأمرين [7] :

"أحدهما: أن (لا) هي المتضمنة معنى (مِنْ) لا اسمها، فأين المقتضى لبناء الاسم؟ [8] "

قلت [9] : وهذا فيه نظر؛ لأن الحرف لا يتضمن معنى الحرف بالمعنى المذكور - هنا - والظاهر: أن المجموع من (لا) ، والاسم هو المتضمن [10] ، وحينئذ ففي كون ذلك مقتضيًا للبناء نظر؛ لأن تضمن معنى الحرف إنما يقتضى البناء في المفردات، أما في المركبات فلا؛ بدليل الظروف.

قال [11] : والثاني: أنا لا نسلم أن الاستغراق في (لا) لنيابتها مناب (مِنْ) ، بل قد قال سيبويه [12] : إن (لا) تقتضى في النفي عموم النفي"."

قلت: وهذا أيضًا فيه نزاع، منهم من يرى أن النكرة المنفية إنما تقتضي العموم عند دخول (مِنْ) [13] ، وفيه كلام للأصوليين [14] .

(1) في (ب) : سياق.

(2) سورة الأعراف من آية 65، وهود من آية 61.

(3) انظر: شرح ابن القواس 2/ 937.

(4) زيادة يقتضيها السياق ليست في (أ و ب) .

(5) شرح الجمل لابن عصفور 2/ 271، وينظر: التصريح 2/ 120.

(6) هو علي بن محمد بن علي، من أهل إشبيلية، يعرف بابن الضائع، لازم الشلوبين، وكان إمامًا في العربية، توفي سنة 680هـ [ترجمته في: إشارة التعيين 235، والبغية 2/ 204] .

(7) كان ابن الضائع كثير الرد على ابن عصفور، وقد أدار صديقنا الدكتور خالد عمر رسالته للدكتوراه على تعقب هذا الخلاف ودراسته، وهي مودعة في مكتبة كلية اللغة العربية في القاهرة تحت عنوان (خلاف ابن الضائع مع ابن عصفور) ، وانظر هذه المسألة فيها ص 372 - 378.

(8) شرح الجمل لابن الضائع 1/ 1040 [د] ، وينظر التصريح 2/ 120.

(9) أي: الزركشي.

(10) وذلك لأنها وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد كـ (خمسة عشر) ، انظر: الكتاب 2/ 274، والمقتضب 3/ 69، 4/ 357، والارتشاف 3/ 1297.

(11) أي: ابن الضائع في رده على ابن عصفور، انظر: شرح الجمل لابن الضائع 1/ 1040.

(12) نقله ابن الضائع في شرحه عن السيرافي، انظر: شرح السيرافي 4/ 9 - 11 [د] ، وقد عزاه الزركشي إلى سيبويه أيضًا في البحر المحيط 3/ 111.

(13) انظر: حاشية أوضح المسالك 2/ 15.

(14) اختلف الأصوليون: هل العموم في نحو: (ما جاءني من رجل) مستفاد من لفظة (مِنْ) أو كان مستفادًا من النفي قبل دخولها، ودخلت هي لتأكيده؟ فالثاني هو قول سيبويه وصححه الزركشي والسبكي، والأول هو قول المبرد والقرافي، انظر: البحر المحيط للزركشي 3/ 111، وانظر أيضًا: المحصول في أصول الفقه للرازي 2/ 537، والإبهاج في شرح المنهاج للسبكي 4/ 1260 - 1265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت