الصفحة 47 من 84

بنائها ليس شيئًا مما سبق، بل كما قال في شرح الكافية [1] : شبهها بالحروف المهملة في أنها لا عاملة ولا معمولة؛ فكان ينبغي أن يُذْكَرَ من جملة الشبه: (الشبه الإهمالي) .

والجواب [25ب] : أنها داخلة في كلامه؛ لأنه حصر العلة في شبه الحرف، وهذه تشبه الحرف، لكنه لم يذكره من جملة أنواع الشبه، ولم يأت في الأنواع بأداة حصر، بل قال: (كالشبه الوضعي) ، إلى آخره، ولأن كلامه في المُسْتَعْمَلات، ولأنه جعلها في شرح العمدة [2] . من الطراز الأول، كأسماء الأفعال؛ فقال:"بنيت لشبهها بالحروف في عدم التعلق بعامل كأسماء الأفعال".

ومنها: (أمس) ،فإنها مبنية على المشهور إذا أردت به اليوم الذي قبل يومك [3] ،مع أنها لم تشبه الحرف فيما سبق. وجوابه: أن للعرب فيها مذهبين: منهم من يعربها إعراب مالا ينصرف [4] ، وعلى هذا فلا كلام. ومنهم من يبنيها [5] ، وعلى هذا فعلة بنائها: تضمنها معنى الحرف؛ فهي داخلة في القسم الثاني من كلامه [6] ، فإن الأكثرين قالوا [7] : إنه مبني لتضمنه معنى الحرف، وهو لام التعريف؛ إذ ليس هو مُعَرَّفًا [8] إلا بها، بدليل وصفه مما فيه اللام، كقولك: (أمس الدابر) [9] والصفة كالموصوف في التعريف والتنكير، وليس بِعَلَمٍ ولا مبهم ولا مضاف ولا مضمر، ولا بلام ظاهرة؛ فتعرَّفَ بذلك، ورأيناهم يقولون: (أَمْسِ) وهم يريدون اليوم الذي قبل يومك، وليس هنا تعريفه بشيء، دل ذلك على أنه مضمَّن معنى الألف واللام [14أ] [26ب] ؛ فتعين تقديرها؛ لأن حكم المعاني الطارئة أن تدل عليها الحروف، فلما لم يوجد الحرف والمعنى الذي يدل عليه الحرف بوجوده حكمنا للاسم بتضمنه إياه. ولولا ذلك لما كان معرفة. وهذا ونحوه مما وقعت معرفته قبل نكرة، هذا هو الصحيح. ووراءه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه بني؛ لأنه منقول من فعل الأمر، والتقدير فيه: (أَمْسِ) محذوف اللام [10] . ونسب للكسائي [11] ، وهو

(1) شرح الكافية الشافية 1/ 216.

(2) شرح عمدة الحافظ 1/ 111.

(3) انظر: الارتشاف 3/ 1472.

(4) وهم بنو تميم [انظر: شرح الجمل لابن عصفور 2/ 400، وشرح التسهيل 2/ 223، وشرح الكافية الشافية 2/ 680، والمساعد 1/ 520] .

(5) وهم أهل الحجاز يبنونه على الكسر، تقول: (ذهب أمس بما فيه، وأحييت أمس، وما رأيتك منذ أمس) [انظر: الأمالي النحوية 4/ 81، والارتشاف 3/ 1428] .

(6) وهو الشبه المعنوي.

(7) انظر: شرح ألفية ابن معط لابن القواس 1/ 233، وينظر: الأغفال 1/ 324، وشرح اللمع لابن برهان 1/ 320، والأشباه 1/ 139.

(8) في (ب) : معرف.

(9) يقال: (ذهب فلان كما ذهب أمسِ الدابر) ، وهو الماضي لا يرجع أبدًا [انظر: تهذيب اللغة 14/ 113] .

(10) فهو محكي سمي بفعل الأمر من (الإمساء) ، كما لو سُمِّي بـ (أصبح) من الإصباح، فإذا قلت: (جئت أمسِ) فمعناه: (اليوم الذي كنت تقول فيه أمس) ، وكثرت هذه الكلمة على ألسنتهم حتى صار اسمًا لليوم الذي قبل يومك وليلتك [انظر: الارتشاف 3/ 1427 - 1428، والأشباه 1/ 362] .

(11) هو علي بن حمزة الكسائي، أحد القراء السبعة، قرأ النحو على معاذ الهراء والخليل بن أحمد، توفي سنة 189هـ [ترجمته في: إشارة التعيين 217 - 218، وبغية الوعاة 2/ 162 - 164] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت