ومن آثار الصحابة رضي الله عنهم قصة أبي محجن رضي الله عنه، وفيها: (أتى سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: وصعدوا به فوق العذيب لينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فلما التقى الناس قال أبو محجن: كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا وأترك مشدودا علي وثاقيا، فقال لابنة حصفة امرأة سعد: أطلقينى ولك الله على إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم مني؛ قال: فحلته حين التقى الناس، فوثب على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا ملك لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الضبر ضبر البلقاء، والطعن طعن أبى محجن، وأبو محجن في القيد، فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، وأخبرت ابنة حصفة سعدا بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، فخلى سبيله فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها، فأما إذ بَهْرَجْتَنِى فلا والله لا أشربها أبدا) [أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة] .
فهذا الصحابي كان يشرب الخمر وما منعه ذلك من أن يجاهد في سبيل الله، بل كان إقدامه على الجهاد وبلائه في القتال سببا في إسقاط الحد عنه.
ولهذا كان اختيار بعض الفقهاء منهم ابن القيم أن من ارتكب موجبا للحد في الغزو ثم أتى من الأعمال الصالحة ما يدل على صدق توبته وما يربو على ذلك الذنب أن الحد يسقط عنه كلية سواء كان في دار الحرب أو رجع إلى دار الإسلام.