فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 89

من المعلوم أن الله عصم أنبياءه ورسله من إضلال الشيطان لهم وإغوائه إياهم، وإن نال منهم شيئا ففي غير هذا قال تعالى: {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} وقال تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} الأعراف، قال أبو حيان في تفسيره 5/257 وهو يبين الفرق بين النزغ والمس: (النزغ من الشيطان أخف من مس الطائف من الشيطان لأن النزغ: أدنى حركة والمس: الإصابة، والطائف: ما يطوف به ويدور عليه فهو أبلغ لا محالة، فحال المتقين تزيد في ذلك على حال الرسول، والنظر لحسن هذا البيان حيث جاء الكلام للرسول كان الشرط بلفظ(إن) المحتملة للوقوع ولعدمه، وحيث كان الكلام للمتقين كان المجيء بإذا الموضوعة للتحقيق أو للترجيح، وعلى هذا فالنزغ يمكن أن يقع ويمكن أن لا يقع، والمس واقع لا محالة أو يرجح وقوعه... وهنا جاءت الجملة خبرية في ضمنها الشرط وجاء الخبر: (تذكروا) فدل على تمكن مس الطائف حتى حصل نسيان فتذكروا ما نسوه، والمعنى: تذكروا ما أمر به تعالى وما نهى عنه، وبنفس التذكر حصل إبصارهم، فاجأهم إبصار الحق والسداد فاتبعوه وطردوا عنهم مس الشيطان والطائف).

ومما يدل على الفرق أيضا قوله تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم} فأثبتت الآية نزغه للمؤمنين وأكدت ذلك بأقوى أدوات التوكيد، وقد ذكرنا في أنواع الوساوس أن الشيطان يشكك بعض الصالحين في عقائدهم في الله، وأيضا يحرش بينهم قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (( إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في الجزيرة ولكن بالتحريش بينهم ) )رواه مسلم رقم (3812) عن جابر قال النووي في شرحه لهذا الحديث: (هذا الحديث من معجزات النبوة، وقد سبق بيان جزيرة العرب ومعناه أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت