يستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فيها ممن لا ضرر منه بها، وكره قوم عاريتها، والأول أولى لما فيه من الإعانة على العلم مع ما في مطلق العارية من الفضل والأجر، قال رجل لأبي العتاهية: أعرني كتابك. فقال: إني أكره ذلك. فقال: أما علمت أن المكارم موصولة بالمكاره، فأعاره. وكتب الشافعي إلى محمد بن الحسن:
العلم يأبى أهله أن يمنعوه أهله
يا ذا الذي لم تر عين من رآه مثله
وينبغي للمستعير أن يشكر للمعير ذلك ويجزيه خيرًا.
ولا يطيل مقامه عنده من غير حاجة بل يرده إذا قضى حاجته ولا يحبسه إذا طلبه المالك أو استغنى عنه، ولا يجوز أن يصلحه بغير إذن صاحبه. ولا يحشيه ولا يكتب شيئًا في بياض فواتحه أو خواتمه إلا إذا علم رضا صاحبه، وهو كما يكتبه المحدث على جزء سمعه أو كتبه ولا يسوده ولا يعيره غيره ولا يودعه لغير ضرورة حيث يجوز شرعًا ولا ينسخ منه بغير إذن صاحبه.
فإن كان الكتاب وقفًا على من ينتفع به غير معين فلا بأس بالنسخ منه مع الاحتياط ولا بإصلاحه ممن هو أهل لذلك وحسن أن يستأذن الناظر فيه وإذا نسخ منه بإذن صاحبه أو ناظره فلا يكتب منه والقرطاس في بطنه أو على كتابته ولا يضع المحبرة عليه ولا يمر بالقلم الممدود فوق كتابته، وأنشد بعضهم:
ارض لي فيه ما لنفسك ترضى
أيها المستعير مني كتابًا
وأنشدوا في إعارة الكتب ومنعها قطعًا كثيرة لا يحتملها هذا المختصر.
الثالث:
إذا نسخ من الكتاب أو طالعه فلا يضعه على الأرض مفروشًا منشورًا بل يجعله بين كتابين أو شيئين أو كرسي الكتب المعروفة كيلا يسرع تقطيع حبله، وإذا وضعها في مكان مصفوفة فلتكن على كرسي أو تحت خشب أو نحوه، والأولى أن يكون بينه وبين الأرض خلو، ولا يضعها على الأرض كيلا تتندى أو تبلى.
وإذا وضعها على خشب ونحوه جعل فوقها أو تحتها ما يمنع تأكل جلودها به وكذلك يجعل بينها وبين ما يصادفها أو يسندها من حائط أو غيره.