الصفحة 3 من 73

لذلك فإن العلماء وطلبة العلم هم أولى الناس وأحقهم بالأدب وحسن الخلق؛ لأنهم أعلم الناس بالحق، ولمكانهم بين الخلق حيث ينظر الناس إليهم نظرة خاصة، فإن أحسنوا كان ذلك سببًا لمحبة الناس لهم وقبول الحق منهم، وإن أساءوا كان ذلك سببًا لبعد الناس عنهم وكراهية ما هم عليه من الهدى.

يا أيها الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ

تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى

اِبدَأْ بِنَفسِكَ فَانْهَهَا عَن غَيِّهَا

فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقتَدَى

لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتَأتيَ مِثلَهُ

هَلاَّ لِنَفسِكَ كان ذَا التَّعلِيمُ

كَيمَا يَصِحّ بِهِ وَأَنتَ سَقِيمُ

فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنتَ حَكِيمُ

بِالقَوْلِ مِنْكَ ويُقْبَلُ التَّعلِيمُ

عَارٌ عَلَيكَ إِذَا فَعَلتَ عَظِيمُ

ولقد اهتم العلماء الربانيون، والأئمة المهديون بتعليم العلم والأدب جميعًا؛ لأن المقصود الأعظم من العلم هو العمل به، والتقرب إلى الله تعالى بمقتضى هذا العلم. وليس المقصود أن يكون الإنسان مجرد مخلاة للعلوم، فكم من إنسان حوى من العلوم ما لا يعلمه إلا الله، فهو يسرد الأدلة سردًا، ويؤصل المسائل تأصيلًا، لكنه سيئ الخلق قليل الأدب، فهذا قد يكون سببًا في إعراض الناس عن الهدى، وكراهيتهم للحق.

وكم من إنسان ليس عنده من العلم إلا ما يبصره طريق الحق، لكنه على خلق حسن وأدب قويم، تراه مشمرًا عن ساعد الجد، مجتهدًا في العمل تقربًا إلى الله تعالى، داعيًا إليه، مجاهدًا في سبيله، مقيمًا للسنة، مميتًا للبدعة، تجده قانتًا خاشعًا، أسبق الناس إلى الخير وأبعدهم عن الشر، يُهْتَدى بِسَمْتِهِ وإن كان صامتًا.

وهناك أقوام امتن الله عليهم بهمة عالية، يطلبون المجد والعلا في كل ما يرضي الله تعالى، الحكمة ضالتهم، أنى وجدوها بادروا إليها واغتنموها، فهؤلاء ينظرون إلى من فوقهم علمًا وأدبًا فيتعلمون من علمهم ويتخلقون بأخلاقهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت