رؤية المقدسي لقيمة كتابه
بقدر رؤية المؤلف لقيمة كتابه وأهميته يكون النجاح مرجوًا، والثمرة دانية إذ لا يستوي هذا مع من يقحم قلمه في التصنيف لمجرد نيل متاع مادي أو معنوي. والمقدسي أراد لكتابه أن يكون ذا قيمة عالية، وسعى لذلك وعبر عنه بقوله"فالناظر في هذا الكتاب كالمشرف المطلع على العالم مشاهدًا حركاته، وعجيب أفعاله، والسابق له قبل تركيبه، وحدوثه الباقي بعد انجلائه ودثوره. وفيه لطرق العلم توطئه، ولأهل الدين قوة، وللمبتدئ رياضة، وللمستأنس به سلوة، وللمتفكر فيه تبصرة وعبرة، وهو إلى مكارم الأخلاق داع، وعن الدناءة ناهٍ" [1] . وما قاله المقدسي صحيح إلى حد بعيد، فنظرته الشاملة لمفهوم علم التاريخ وجعله يشمل الوجود كله أثرت في موضوعات كتابه حتى صدق ما قاله عنه في موضع آخر"لكن الكتاب جامع الفنون" [2] وما ذكره من ثمارٍ يحصلها مطالع الكتاب ليست دعوى بلا برهان، فقد قدم للكتاب بمقدمات وأسس للعلم والنظر والجدل تصلح توطئة لطريق طالب العلم، وبث فيه من أدلة المنقول والمعقول ما يقوى به عقيدة المسلم ويظهر حجته. ولم يخل الكتاب من طرف، وحكم، ونصائح كانت للمستأنس سلوة، وللمتنكر تبصرة، وللخير داعية.
دلائل القيمة العلمية للكتاب
أولًا: أهميته كمصدر من المصادر التاريخية
إذا كان من حق الأمة الإسلامية - كغيرها من الأمم - أن تفتخر بتاريخها وحضارتها، فإن لأمتنا الحق في مزيد من الفخر بتأريخ تاريخها، حيث تميزت بعلماء ومؤرخين دونوا تفاصيل مسيرة الإسلام، ورصدوا تطورات مراحل تاريخه إلى أن قامت دوله، وتتابعت ملوكه. وأدركوا عمق الصلة بين رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورسالات الأنبياء قبله، وأدركوا أيضًا وحدة التجربة الإنسانية، لذا ابتدأت تواريخهم العامة بذكر بداية الخلق حتى مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم مرورًا بذكر تاريخ الأنبياء، وملوك الأرض وممالكهم حتى
(1) البدء والتاريخ، ج1 ص17.
(2) المرجع السابق، ج5 ص5.