ثالثًًا: التاريخ والمؤرخون
استكمل علم التاريخ مسيرته الاستقلالية عن العلوم الأخرى - خاصة علم الحديث - حتى صار علمًا مستقلًا باسمه، وموارده، ومناهجه، ورجاله. وصاحب تلك الاستقلالية ارتفاع في مكانة العلم وأهداف تعلمه، وغزارة وتنوع في مواده، وفروعه، وتطور في الأسلوب، وطرائق الكتابة، ومناهج التأليف، وتكاثر وانتشار وسعة ثقافة للمؤرخين. فأما عن مكانة العلم وأهداف تعلمه، فلم تعد النظرة لعلم التاريخ على أنه ضرب من الترف العلمي أو التسلية والترفيه، بل صار لتعلمه أهداف سياسية وتربوية راقية. فمع اتساع العالم الإسلامي وتكاثر دوله وإماراته كثر حكامه، وحرصوا على التعرف على أحوال الدول السابقة وتجارب الأمم الغابرة للاستفادة منها في قيادة دولهم في عصر ساده الاضطراب والصراعات. وظل الحكام والمحكومون على السواء يرون في العصر النبوي، والراشدي الصورة المثلى التي يطمحون إليها والمضي على نهجها. ومع الهدف السياسي برز الهدف التربوي الأخلاقي لتعلم التاريخ في ظل حث القرآن الكريم على ذلك بأخذ العبرة بأحوال السابقين، ليزدادوا فهمًا لواقعهم ويحسنوا تصور مستقبلهم، لذلك لم يكن مستغربًا أن تتضاعف أعداد المؤرخين، وأن تتنوع مشاربهم الفكرية ومكانتهم الاجتماعية، ومواطنهم لتشمل كافة التخصصات والوظائف والبلدان.
وأما عن المادة التاريخية وتدوينها، فقد تخلص التاريخ من غلبة القصص والخرافات عليه فكان أقرب للواقعية، مع حسن الترتيب والتبويب، وشمولية لمناحي الحياة دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وان كان الجانب السياسي قد ظل على ريادته. وكان للحراك السياسي وما نتج عنه من عمل إداري أثر واضح في كثرة المادة التاريخية، خاصة أن علم التاريخ من أشد العلوم تأثرًا بالسياسة. هذا إلى جانب أمور أخر ساهمت في زيادة المادة وتنوعها، مثل: الرخاء الحضاري، وانتشار الورق، والتطور العلمي الذي عم جميع العلوم الأخرى. ومع ذلك فقد توجهت همة المؤرخين إلى نقل الأحداث، وانتقائها، وترتيبها دون التوجه إلى تحليل الأحداث، وتعليل المواقف، وإن كان يحسب لهم أنهم جعلوا الكتابة التاريخية مرآةً للحياة بصورتها الكاملة بما لها وما عليها. [1]
(1) شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة، 1403هـ 1983م، ج1 ص 267 - 465. السيد عبد العزيز سالم، التاريخ والمؤرخون العرب، بيروت، دار النهضة العربية، 1406هـ 1986م، ص75 - 127.