يطلق النقد لغةً على تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، [1] ويقترب من هذا المعنى اللغوي النقد التاريخي، فهو: فحص الرواية التاريخية، وإخراج الزيف منها لمعرفة صحتها والاعتماد عليها كمصدر تاريخي. وينقسم النقد التاريخي إلى قسمين: النقد الخارجي أو الظاهري: ويتجه إلى التوثق من صحة المصادر، بتمحيصها، ومعرفة نسبتها إلى مؤلفيها، ومعرفة زمان ومكان التدوين.
النقد الداخلي أو الباطني: ويتجه إلى فهم نصوص المصادر وتفسيرها، واستخلاص الحقائق التاريخية منها، وكذلك التأكد من صدق المؤرخ وعدالته، وصحة ما ذكره من معلومات، ويكون ذلك بتحليل النصوص التاريخية وتصفيتها من المعلومات الزائفة وغير الصحيحة. [2] ولقد عانى النقد التاريخي من إهمال كثير من المؤرخين المسلمين له حيث اكتفوا بسرد الروايات التاريخية - مسندة غالبًا - تاركين للقارئ عبأ انتقاء الصحيح وترك الضعيف والمكذوب. ويرى الباحث أن المقدسي قد اختلف عن كثير من هؤلاء المؤرخين، حيث تعرض لنقد كثير من النصوص، إما في مصادرها، وإما بنقد النصوص ذاتها. وسنعرض لأهم مجالات النقد وطرقه عند المقدسي عامة، ثم منهجه في الروايات والأقوال المتعارضة خاصة، ثم نستخرج أهم الأسس التي بنى عليها المقدسي منهجه في هذا النقد.
أولًا: مجالات النقد ومنهج المقدسي في كل منها
(1) نقد المصادر
(أ) نقد المصنفين ومصنفاتهم
مدح المقدسي بعض المصنفين، وذم آخرين، وذلك إما على الكتاب كله، وإما على بعض ما ورد فيه. كالآتي:-
1.المدح العام وذلك في قوله عن ابن رزام"وما بلغ أحد منهم ما بلغ ابن رزام فإنه أظهر عورتهم - أي الباطنية - وملأ جلودهم مساءةً وعيبًا" [3]
(1) الفيروزأبادي، القاموس المحيط، مادة نقد، ص322.
(2) حسن عثمان، منهج البحث التاريخي، 117 - 127، محمد عبد الوهاب فضل، التاريخ وتطوره في ديار الإسلام، ص51 - 54.
(3) البدء والتاريخ، ج5 ص134.