فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 257

الإخوة يتوافدون إليه ويكونون تحت إمْرَتِه، وكلّما مرّ الوقتُ يزداد الجميعُ ثقةً في حُسْنِ تدبير هذا القائد ويتعجّبون من شجاعتِهِ ورباطةِ جَاشِه.

وقد رأيتُهُ مرارًا يُقْحِمُ نفسه المهالك لأجلِ أن يُؤمّن طريقًا لإخوانه، فكان لا يريد إخوانه عبور طريقٍ إلا عَبَرهُ أمامهم مخافة أن يكون هنالك قنّاصٌ يقطع الطريق، ثمّ رأيتُهُ - والله - لا يأكل إلا بعد أن يأكلَ جميع الإخوة، ولا يشربُ إلا بعدهم، فكان كثيرًا لا يأكلُ ولا يشربُ لشدّة الحال والضّيق الشّديد الّذي ألمّ بنا، بل والله قد خلع معطفهُ أمام عيني مع شدّة البرد وأعطاهُ أحد الإخوة، ثم خلع حذائه وأعطاهُ لآخر، وهو يفعلُ كلّ ذلك متذرّعًا بأعذارٍ حتّى لا يحرج أو يتحرّج الإخوة.

وهو في كلّ أحواله يبتسمُ ويضحكُ ويحمدُ الله ويشكرُهُ على منّته أن وفّقهُ لهذا الطّريق ولهذا اليوم.

وكان الرّجل يحوطُ إخوانه كما تحوط الدّجاجة فراخها حرصًا ومحبّةً يأخذهم الى حيث يأمنون فيه من عيون العدوّ، ويعبُرُ الأسوار والطّرقات ويذهبُ إلى المناطق البعيدة يستكشفُ هل تصلح لمجيء الإخوة إليها، وهو مع كل ذلك من أشدّ النّاس طاعةً لله، فلو اختلى بنفسهِ لحظةً لا تراهُ إلا فاتحًا لكتابِ الله أو مصليًّا أو مع كتابٍ من كُتُب العقيدة والّتي كنّا نعثُرُ عليها في بعض البيوت.

ثمّ دارت المعركةُ واشتدّت رحاها وانحازَ الإخوة إلى أحدِ البيوتِ وجاءَ الأمريكان وداهموا هذا البيتِ وكانَ في هذا البيت إخوة القائد عمر حديد مع نخبة من المهاجرين والأنصار، فصعدَ عمر حديد ليُدافعَ عن إخوانه حتّى ينحازوا فضربهُ قنّاص، ثمّ صعد أبو نَصْر لكنّه أيضًا أُصيب ولم يُعْلَم أكان شهيدًا أم لا، ثمّ عُرِفَ خَبَرُهُ بعد ذلك بعدما وجدَ الإخوة هويّته ونظّارته عندَ مَنْ دَفَنَه فبكينا وبكينا، لكنّ البُكاء لا يُرجعُ ميّتًا، ولو طلبنا منه الرّجوع ما قَبِلَ لأنّه حيّ، اللهمّ إلا ليفعلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت