قابلْتُ الرّجل وعَجِبْتُ لمجيئه، لكنّ الشّاب الظّريف البسّام، لا يَدَع لدهشتك فرصةً، يُقبِل عليك بوجهٍ كشِقّ القمر، مهلّلًا ومرحبًا وخادمًا كأنّما قد صادقْتَه قبل سِنين، ثم فارقْتُه وحانَ وقت اللّقاء، يرحّب ويخدم كل من قابَلَه.
اشترى سلاحًا خفيفًا حتى يستطيع حمْلَه واستعماله، وكان يجدُ نفسه في حراسة إخوانه، ولسانُ حاله يقول: إن لَم أدفع عنْكم صِحتُ بِكُم منبّهًا، وتخلّفْتُ عنكم مدافعًا. وكان صاحِبَ دُعابةٍ لطيفة وخِفّة عَجيبة.
قصّةٌ مثيرةٌ وعجيبة: استيقظَ الشّهيد قبل يوم من ترجّله إلى مثواه، فلمّا قام من نّومه قال لصاحبه:"غدًا أستشهد"، فضَحِك الشّباب وانهالوا عليه بسيلٍ من النّكات والتّعليقات الظّريفة، وبادَلَهُم الحبيبُ كعادته المُزاحَ بالمُزاحِ، حتى إنَّ أميره قال: يا هَزبر ما عاد إلاّ أنت، مُمازِحًا كعادة الشّباب، وفي صبيحة يومِ استشهاده، وبعدما استيقظَ من نّومة القَيْلولة التي أيْقَظهُ منها، مزاح أخيه أبي الحسن له وتلطيشه إياه، قال:"ولَدْ، أنا اليوم أستشهِدْ السّاعة السّادسة".
ضحِك أبو الحسن وقال له مازحًا: (قُمْ وإلاّ كَسَّرتُ رأسَكَ فوق من نومك، عدش إلاّ أنت!) .
وتَجهّز مجموعة من الإخوة رُماة الهاون للرّمْي، وكان مَعَهُم أبو الحسن فقال لهم الهزبر: أخرُج معهم، فخرجوا.
نصَبَ الأسودُ مِدْفعَهم، وأمطروا رتلًا بقذائف"الهاون"، فأحرَقوا سيّارتين ثمَّ ذهبوا وأحضروا قذائف أخْرى، والتفَّ الإخوة حولَ"الهاون"، وأخذَ أبو أحمد يضبِطُ مِنظاره ورمى بقذيفة.
وفجأةً وقف أبو الحسن مشدوهًا، رأى دبّابة على جسرٍ بعيد، قد سلّطَت مدفعها باتجاه الإخوة، وانطلَقَتْ منها قذيفة، رأى وميضَ إطلاقها، وقبل أن يتكلّم؛ كانت