فكّرتُ بالأمر سريعًا، ونظرتُ إلى من حولي فلم أرَ إلاّ بندقيةً واحدةً بمخزنٍ واحد، ولا أستطيع أن ألحق بالإخوة في أعلى الدار - الطابق العلوي -، إذ كنّا مفصولين تمامًا عن بعض، ولا طريق للصّعودِ إليهم إلاّ بالخروج إلى الحديقة ثم الصّعود، وكان الأمريكان قد ملئوا باحةَ المنزل، ولم يكن أمامي مكانٌ للمقاومة، فأخذتُ أهلي وذهبتُ بهم وبولدي إلى"المنور"أو المسقط الخلفي للبيت، حتى آخذهم وأضعهم في البيت الخلفي، ثم أحاول الهروب بهم أو بنفسي بعد الاطمئنان عليهم، فلمّا صعدتُ سور"المنور"، نظرتُ فلم أجد أهلي، وظللتُ أُنادي أهلي باسمها وكُنيتها فلم أسمع أو أرَ لها أثرًا، وإذا بصوت ينادي باسمي فرددت عليه: نعم يا أبا عمر، ثمّ انقطع الصوت فلم أدرِ لماذا، فهمت أنّ أهلي ذهبت في مكانٍ ما داخل البيت المجاور، مع أبي عمر وكأنه ناداني لذلك لكن لم أهتدِ إليه لظروف الظّلام الدّامس.
فأخذتُ سلاحي وقفزتُ إلى البيت المجاور، ثم أردتُ أن ألحَقَ بالشّارع الخلفي فإذا بالأمريكان يملئون هذا الشّارع، ورأوني، لكنّهم ظنّوا أنّي من أصحاب المنزل، حيثُ كان جميعُ أهالي المنطقة قد استيقظوا على صوتِ الانفجارِ والمكبّرات.
فلمّا رجعْتُ إلى البيت، إذا بصاحبة المنزِل تراني، فأطلقَتْ صاروخًا من الصّياح، جعلَتْ الطّلقات تكاد تُطير رأسي لكن: سلّم الله.
كان سِلاحي ليس له حمّالة - وهذا لا شكّ كان نقصًا - فجهّزتُ طلقةً للرّمي وأبقيتُ عتلة الأمان مفتوحةً، وظلَلْتُ أنتقلُ من بيت إلى آخر، من الطّابق الثالث فالثّاني فالأول وهكذا دوالَيْك، كنت أتسلّقُ الجدران وأقفز ولا أريد أن أُشعر أحدًا.
وفي تلك الأثناء دَوَتْ في بيتي عدّةُ انفجاراتٍ خُتمت بانفجارٍ ضخْمٍ، تبِعَته رشقةٌ بسيطةٌ من سلاح أمريكي ثمّ توقف الرمي تمامًا.
وسأعود إلى تفصيل ذلك، أقولُ في تلك الأثناء جاءت المِروحيات الأمريكية تطوفُ حول المنزل، وكنت على سطح منزلٍ يُجاور بيتنا بحوالي خمسينَ مِترًا تقريبًا، فاختبأت بالسّطح ووضعتُ ملابسي فوقي حتى لا تكشفني، ولما هدأت الأصوات كان أهالي